التنوع البيولوجي في قطر أساس للاستدامة

التنوع البيولوجي في قطر: أساس للاستدامة وحائط صد في وجه التغير المناخي
غابات المانغروف في قطر

ينظر إلى التنوع البيولوجي باعتباره شبكة معقدة ومترابطة من الكائنات الحية، تمتد من أصغر الميكروبات إلى أطول الأشجار، وتشكل هذا النسيج الحيوي هو ما يضمن توازن الطبيعة واستقرار حياة الإنسان.

 ومع تزايد الضغوط البيئية، بدأ هذا التوازن الدقيق في التآكل، ما يعرض الأنظمة التي نعتمد عليها للخطر.

في هذا السياق، أوضحت أخصائية التنوع البيولوجي في مؤسسة إرثنا التابعة لمؤسسة قطر سارة عبد المجيد، أن التنوع البيولوجي يشمل كل أشكال الحياة على كوكب الأرض؛ من النباتات، والحيوانات، والفطريات، وصولا إلى الكائنات الدقيقة.

 وقالت عبد المجيد، إن هذا التنوع يمكّن الكائنات من التكيّف مع بيئاتها، وهو أمر بالغ الأهمية خاصة في منطقة الخليج، حيث تكيّفت الأنواع المحلية مع ظروف قاسية كالجفاف، والحرارة الشديدة، والملوحة العالية.

وحذرت عبد المجيد من أن توسع المدن وتقلص النظم البيئية بات يهدد بانقراض أنواع فريدة استغرقت آلاف السنين لتتأقلم مع هذه الظروف المناخية القاسية.

ويزدهر التنوع البيولوجي في قطر غالبا في أماكن غير متوقعة، أبرزها المناطق الساحلية، حيث تلعب النظم البيئية هناك دورا أساسيا في دعم الحياة.

أشجار القرم

وتعد أشجار القرم (المانغروف) من أبرز هذه الأنظمة، حيث توصف بأنها “مهندسة البيئة” نظرا لقدرتها على إعادة تشكيل محيطها البيئي، وخلق مواطن خصبة لمختلف الكائنات البرية والبحرية والجوية.

وتقوم هذه الأشجار كذلك بدور مهم في تثبيت التربة الساحلية، والحد من التآكل، وامتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، مما يجعلها عنصرا بيئيا لا غنى عنه في مواجهة تغير المناخ.

جهود مركز إرثنا

وضمن جهود الحماية، يعمل مركز إرثنا مع شركاء محليين، وخبراء بيئيين، ومدارس، على استعادة نحو 40 هكتارا من غابات القرم، أي ما يعادل 56 ملعب كرة قدم، لضمان استمرارية هذا النظام البيئي الحيوي.

وأحيانا تكون أقوى الحلول البيئية موجودة بالفعل، تنمو بهدوء تحت أقدامنا، وكل ما تحتاجه هو الرعاية، في إشارة إلى أن الطبيعة تملك حلولها الخاصة، شريطة أن نمنحها الاهتمام والحماية، لا سيما في ظل تصاعد التحديات البيئية التي يواجهها العالم.

وتجدر الإشارة إلى أن القائمين على القطاع البيئي في دولة قطر بذلوا خلال الأعوام القليلة الماضية جهودا كبيرة في مضاعفة مساحات غابات المانغروف “القرم”، حيث ارتفعت المساحة من 9 كيلومترات قبل ثلاث سنوات لتصل إلى 14 كيلومترا، بمعدل نمو بلغ 55%، وذلك على امتداد شواطئ الدولة المطلة على الخليج، حيث تبذل الدولة جهودا مكثفة للحفاظ على هذه الغابات وتنميتها وتوسيع نطاقها.

وفي هذا الإطار، قامت وزارة البيئة والتغير المناخي مؤخرا باستزراع نبات القرم في أربع مناطق جديدة على السواحل الشمالية والشرقية، بعد أن كان مقتصرا على منطقتي الخور والذخيرة.

وتشمل المناطق التي تمت فيها الزراعة الناجحة كلا من الرويس، وأم الحول، وفويرط، وراس مطبخ، بمساحات واسعة تقدر بآلاف الهكتارات.

إنجازات بيئية مهمة

وقد حققت الدولة إنجازات بيئية مهمة، منها تخصيص أكثر من 23% من المساحة البرية كمحميات طبيعية منذ عام 2014، ليبلغ عدد المحميات البرية 12 محمية، وهي: العريق، والذخيرة، وخور العديد، والرفاع، وأم العمد، وأم قرن، والصنيع، والريم، والشحانية، والمسحبية، والوسيل، ووادي سلطانة.

كما تبلغ مساحة المحميات البحرية 720 كيلومترا مربعا، وتشمل محمية خور العديد والذخيرة.

وتحتل محمية خور العديد المرتبة الأولى من حيث المساحة، حيث تبلغ مساحتها 1293 كيلومترا مربعا، أي ما يعادل 47 بالمائة من إجمالي المحميات البرية.

كما أنها تعد أكبر المحميات البحرية، بمساحة 540 كيلومترا مربعا، تمثل نحو 75 بالمائة من إجمالي المحميات البحرية في الدولة.

انقراض غابات المانغروف

وفي السياق العالمي، يتراوح معدل انقراض غابات المانغروف الساحلية ما بين 3 إلى 5 أضعاف معدل فقدان الغابات الأخرى، وهو ما دفع وزارة البيئة والتغير المناخي في قطر إلى تكثيف الجهود لحمايتها، نظرا لدورها الأساس في مواجهة تغير المناخ، حيث قد يؤدي اندثارها إلى آثار اقتصادية واجتماعية خطيرة.

ومن أبرز المناطق التي تنمو فيها أشجار القرم بكثافة منطقة الخور والذخيرة، حيث تمتد هذه الأشجار على مساحة تفوق 7 كيلومترات مربعة، ويصل ارتفاعها إلى 4 أمتار.

 وتنتشر غابات القرم في الذخيرة على مساحة واسعة، وسط بيئة صحراوية محيطة، ما يجعلها نظاما بيئيا فريدا.

وبموجب القانون رقم 6 لسنة 2006، اعتبرت منطقة الذخيرة محمية طبيعية نظرا لوجود غابات القرم فيها، وتتميز هذه المنطقة الواقعة على بعد 64 كيلومترا من الدوحة بانتشار أشجار القرم دائمة الخضرة طوال العام، والتي تنمو في مياه البحر المالحة وتقوم بتحليتها ذاتيا باستخدام آليات فسيولوجية فريدة.

وتعمل غابات المانغروف على إنتاج الأكسجين وامتصاص ثاني أكسيد الكربون والغازات السامة، مما يسهم في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.

كما تسهم أشجار القرم، التي يتراوح طول شتلاتها من 44 إلى 60 سنتيمترا، في تثبيت التربة وحماية الشواطئ من التآكل، إضافة إلى دورها الحيوي في تنمية الثروة السمكية، حيث تعد بيئة مثالية لتكاثر العديد من أنواع الأسماك ذات الأهمية الاقتصادية مثل “البدح”.

وتلعب أوراق القرم المتساقطة دوراً في تغذية السلسلة الغذائية البحرية، إذ تقوم البكتيريا بتحليلها إلى مركبات عضوية أولية تستفيد منها كائنات بحرية مثل الأسماك والروبيان والطحالب والقشريات والفطريات والديدان وغيرها.

وتستخدم أجزاء من أشجار القرم في مجالات عدة، حيث تدخل سيقانها القوية في البناء، وصناعة القوارب الشراعية، والوقود، كما تستخدم أوراقها وسيقانها الطرية كعلف للحيوانات مثل الجمال والأغنام والماعز، نظرا لتحملها الملوحة وقدرتها على البقاء في البيئات القاسية.

وتتميز هذه النباتات بقدرتها على النمو في المياه المالحة، من خلال غدد متخصصة في الجذور لترشيح الملح، وتقوم بطرح الماء الزائد عن طريق أوراقها، ما يمكنها من البقاء في بيئات يصعب على غيرها من النباتات التأقلم معها.

معنى مانغروف

ويذكر أن مصطلح “مانغروف” يتكون من كلمتين، الأولى برتغالية “مانغو” وتعني شجرة، والثانية إنجليزية “غروف” وتعني مكان الأشجار.

 وتوفر غابات القرم موطنا لعدد من الطيور المهددة بالانقراض، كما أنها تؤوي 80 بالمائة من أنواع الأسماك ذات القيمة الاقتصادية.

وتظهر الدراسات أن غابات القرم قادرة على خفض ثاني أكسيد الكربون بمعدل يفوق الغابات المطيرة بـ8 أضعاف، كما أنها تقلل من انجراف التربة، وتخفض شدة الأمواج بنسبة تصل إلى 66 بالمائة أثناء العواصف.

 وتشكل هذه الغابات نظما بيئية ساحلية متكاملة تقدم خدمات بيئية واقتصادية متقدمة رغم ندرتها، إذ لا تمثل إلا نحو 1 بالمائة من الغابات الاستوائية و0.4 بالمائة من إجمالي الغابات حول العالم.

وتعد غابات القرم وسيلة فعالة ومنخفضة التكلفة لإدارة وترميم النظم البيئية، وتساهم في تعزيز الأمن الغذائي للمجتمعات الساحلية، كما تعمل كجدار طبيعي يقلل من مخاطر الكوارث المناخية مثل الفيضانات وارتفاع منسوب البحر.

وتتميز تربة هذه الغابات بقدرتها العالية على تخزين الكربون على مدى آلاف السنين، ما يجعلها من أهم الأحواض الطبيعية للكربون في العالم، ويقدر أن هكتارا واحدا من أشجار المانجروف قادر على تخزين 3.754 طنا من الكربون.

الرابط المختصر: https://msheireb.co/6y9

اشترك في قائمتنا البريدية

أخبار قطر بين يديك.. اشترك الآن وستصلك ملخصاتنا الإخبارية أولا بأول