دفعت حملات التأثير بالذكاء الاصطناعي ملايين الرسائل النصية إلى هواتف أمريكيين خلال الأشهر الماضية، تصل من مرسِلات بأسماء مثل “إيما” و”سارة” تنتمي إلى مجموعة تُدعى Friends for Peace، وتفتتح الحديث بسؤال عن أثر مفاوضات السلام مع إيران على الأمن العالمي. الرسائل مولّدة آليا، وتديرها شركة مرتبطة بمستشار سابق للرئيس دونالد ترامب، وتموّلها الحكومة الإسرائيلية.
ووفقا لتحقيق نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، تشكّل هذه الرسائل جزءا من عقد تتجاوز قيمته 45 مليون دولار وقّعته إسرائيل مع براد بارسكيل، مدير حملة ترامب الانتخابية عام 2020. ويأتي العقد ضمن ميزانية إسرائيلية لعام 2026 تتخطى 700 مليون دولار خُصصت لما وصفه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بجهود “تشكيل الوعي ” وتحسين صورة البلاد عالميا.
لماذا تتوسع حملات التأثير بالذكاء الاصطناعي الآن؟
الدافع المباشر رقمي بحت: استطلاع لمركز بيو للأبحاث في مارس أظهر أن نحو 60% من البالغين الأمريكيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل نظرة سلبية، على خلفية إدارتها للحرب في غزة والمواجهة مع إيران. وردّا على هذا التراجع، تعاقدت الحكومة الإسرائيلية مع ست شركات على الأقل داخل الولايات المتحدة خلال عام واحد، وسجّل نحو ثلاثة وثلاثين شخصا جديدا، معظمهم متخصصون في التسويق، أنفسهم كوكلاء أجانب.
تتولى شركة تُدعى Sparkfire تشغيل عملية الرسائل، وقد تقاضت 6.5 ملايين دولار حتى منتصف مايو. وتسوّق الشركة تقنيتها على أساس أن الرسائل المدعومة بالذكاء الاصطناعي تنتج محادثات أطول وأكثر إنتاجية من الحملات النصية التقليدية، فيما أكد متحدث باسمها أن عناصر بشرية تتدخل في مسار المحادثات وتتفاعل مباشرة مع المستقبِلين.
غير أن التجربة العملية كشفت حدود هذا النموذج. الفنانة بيث سردوت، التي تلقّت إحدى الرسائل في يونيو، لاحظت أن المحادثة دائرية: كل ما تكتبه يُعاد صياغته ويُقذف إليها في الرسالة التالية. وحين واجهت النظام بأنه ليس إنسانا، أنتج مخرجات تحاول إقناعها بالعكس. أما مجموعة Friends for Peace فلا وجود لها كمنظمة غير ربحية أو شركة مسجلة، وحين سُئل بارسكيل عن ذلك ردّ بتساؤل عن تعريف “المنظمة الفعلية ” أصلا.
الهدف الأبعد: التلاعب بإجابات روبوتات الدردشة
الجزء الأكثر لفتا للانتباه في العملية لا يستهدف البشر مباشرة، بل النماذج اللغوية. إذ تشمل الحملة إنشاء مواقع ومنشورات وروابط بمحتوى مؤيد لإسرائيل، مصمّمة جزئيا لدفع روبوتات الدردشة مثل Claude وChatGPT إلى إنتاج مخرجات أكثر إيجابية عن البلاد. وقد أدرجت هذه الأدوات بالفعل، في بعض الحالات، روابط لمواقع من قبيل Allyvia المخصص للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي، والذي بناه فريق بارسكيل، ضمن مراجعها.
هذا التكتيك يمثّل توظيفا هجوميا لما يُعرف بـ “تحسين المحتوى لمحركات الذكاء الاصطناعي ” (Generative Engine Optimization)، حيث يصبح المستهدف ليس ترتيب النتائج في محرك بحث، بل مصادر التدريب والاسترجاع التي تبني عليها النماذج إجاباتها. وبحسب بارسكيل، فإن أحد أهداف العملية رصد أبرز مخاوف الجمهور تجاه إسرائيل والرد عليها، ثم رفع تقارير بالنتائج إلى الحكومة الإسرائيلية.
جدل سياسي داخل الولايات المتحدة
الحملة أثارت انتقادات من داخل المعسكر المحافظ نفسه. فقد اتهم نائب الرئيس جيه دي فانس، في حديث مع المذيع جو روغان، مسؤولين إسرائيليين بمحاولة التلاعب بالرأي العام الأمريكي لإطالة أمد الحرب وتقويض مفاوضات إنهاء النزاع مع إيران، وهو ما نفاه بارسكيل. كما تركّز الجدل على منصبه كمدير استراتيجية في شبكة Salem Media التي تستضيف أبرز البودكاسترز المحافظين، وقد أكدت الشبكة أنها لا تدفع لمقدميها مقابل مواقف بعينها، وأن المبلغ صُرف على إعلانات تجاوزت قيمتها 500 ألف دولار.
بالنسبة لمستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي، الخلاصة عملية: تحقّق دائما من الروابط التي تستشهد بها روبوتات الدردشة عند تناول ملفات سياسية، فالمصدر الذي يبدو محايدا قد يكون طرفا في حملة ممولة.

