في جنوب الصومال، كان عبد الله عبد الرحمن يسير مع زوجته وأطفاله السبعة تحت شمس حارقة، على أرض قاحلة.. تسعة أيام من المشي المتواصل، تناوب خلالها هو وزوجته على حمل طفلتهما الصغيرة فوق أكتافهما، في رحلة هروب من الجوع والموت معا.
خلفهم كانت مواشيهم قد نفقت بفعل الجفاف، ومعها ضاعت مدخرات العمر، وأمامهم كانت مدينة (دولو) الحدودية تبدو كملاذ أخير؛ مكانا قيل إن المنظمات الإنسانية توزع فيه الطعام والماء والدواء.
وحينما وصل عبدالرحمن وزوجته بعد أن قطعوا حوالي 220 كيلومترا من السير، اكتشفوا أن المساعدات اختفت، وهو ما ترك في نفوسهم وأمعائهم غصة وحرقة كبيرة.
صحيحٌ أنَّ خيام المساعدات كانت ما تزال قائمة، لكن الطعام لم يعد يصل، والعيادات تلاشت أدويتها، والموظفون غادروا المكان الذي كان يوما شريان نجاة لعشرات الآلاف، تحول إلى مخيم مكتظ بالجوعى ينتظرون مساعدة لم تعد تأتي.
هذه ليست قصة عائلة صومالية فقط، بل صورة مكثفة لكارثة إنسانية تتشكل بصمت في أكثر مناطق العالم هشاشة، حيث تتقاطع الحروب الكبرى مع الانهيار المناخي وتقليص المساعدات الدولية، فتدفع ملايين البشر إلى حافة المجاعة بل إلى حافة الموت.
الحروب تلتهم ما تبقّى للفقراء
وفي وقت تخوض فيه المنطقة حربا مفتوحة تتجاوز حدود الشرق الأوسط، تمتد ارتداداتها إلى بلدان فقيرة تعتمد على الخارج في غذائها وطاقتها، مثل الصومال والسودان واليمن وأجزاء واسعة من أفريقيا.
ومع ارتفاع أسعار النفط، وتعطّل سلاسل الإمداد، وشح الأسمدة، وتضاعف تكاليف النقل، وتراجع التمويل الإنساني؛ كلها عوامل تتشابك لتنتج ما تصفه منظمات الإغاثة بأنه “حلقة كارثية مغلقة” يصعب كسرها.
الحروب في الشرق الأوسط تمتد ارتداداتها إلى بلدان فقيرة تعتمد على الخارج في غذائها وطاقتها، مثل الصومال والسودان واليمن وأجزاء واسعة من أفريقيا
في السياق المأسوي، حذر برنامج الأغذية العالمي من أن استمرار الحرب سيضيف نحو 45 مليون شخص إلى قائمة المهددين بالجوع الحاد، ليرتفع العدد عالميا إلى أكثر من 363 مليون إنسان؛ لكن الخطورة -وفق البرنامج- لا تكمن فقط في اتساع رقعة الأزمة، بل في غياب الاستجابة الدولية التي كانت تخفف الصدمات في السابق.
برنامج الأغذية العالمي: المعضلة الأكبر ليست بارتفاع عدد الجوعى إلى أكثر من 363 مليون إنسان بل في غياب الاستجابة الدولية
وقبل سنوات، عندما عطلت الحرب في أوكرانيا صادرات الحبوب والأسمدة، تحركت الحكومات والمؤسسات الدولية وضخت أكثر من 43 مليار دولار في مساعدات إنسانية، قادتها الولايات المتحدة وحدها بنحو 17 مليار دولار، أما اليوم، فقد انخفض التمويل الإنساني العالمي إلى مستويات غير مسبوقة، بينما تقلصت المساهمات الأمريكية بصورة حادة، ما ترك المنظمات الإنسانية أمام معادلة قاسية: عدد أكبر من الجوعى، وأموال أقل لإنقاذهم.

في الصومال.. معادلة صعبة!
البلد الذي يعاني منذ عقود من الحرب الأهلية، وهجمات حركة الشباب، والجفاف المتكرر، يواجه اليوم واحدة من أخطر أزماته الغذائية، نحو ثلث السكان يعانون مستويات طوارئ من الجوع، بينهم أكثر من 1.8 مليون طفل مهددون بسوء تغذية حاد، ومع ذلك، فإن برنامج الأغذية العالمي الذي كان يصل إلى قرابة مليوني شخص شهريا، لم يعد يملك ما يكفي إلا لدعم جزء محدود منهم
. يجري فرز المحتاجين للمساعدة وفق معيار قاسٍ: من الأقرب إلى الموت؟
مسؤولو الإغاثة يتحدثون عن “هرمية غريبة للمعاناة”، حيث يجري فرز المحتاجين على أساس الأكثر اقترابا من الموت.
في بعض المناطق، يحصل الأطفال على الغذاء، لكن الأمهات الحوامل لا يحصلن عليه، وفي أماكن أخرى، تتوقف العيادات عن استقبال المرضى لأن الأدوية نفدت أو التمويل انقطع.

الحرب الأمريكية الإيرانية تفاقم المشهد
إغلاق مضيق هرمز وتعطل حركة الشحن عبر الخليج لم يضرب فقط تجارة النفط، بل أصاب شبكة الإمدادات الإنسانية في العمق، فالسفن غيرت مساراتها، والمواني ازدحمت، وتكاليف النقل قفزت لأعلى، وتأخرت شحنات غذائية يفترض أن تصل إلى ملايين المحتاجين.
اغلاق مضيق هرمز لم يضرب فقط تجارة النفط بل أصاب شبكة الإمدادات الإنسانية في العمق
وفي الصومال، الذي يعتمد على الاستيراد لتأمين نحو 70% من غذائه، تضاعفت أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والدقيق، وحتى الوقود قفز سعره إلى أكثر من الضعف، ما رفع كلفة نقل الطعام والمياه والدواء، وحتى تشغيل الآبار الزراعية.

في أسواق مقديشو، لم يعد الباعة قادرين على الحفاظ على الأسعار، فالأسماك التي كانت غذاء متاحا للفقراء أصبحت أكثر كلفة، والخضروات ارتفع ثمن نقلها، والمزارعون يواجهون أسعارا مضاعفة للأسمدة والديزل، ما يعني أن الموسم الزراعي نفسه بات مهددا.
العائلات التي كانت تعتمد على منح نقدية لشراء الطعام فقدت مصادر دخلها، ونساء كن يغسلن الملابس أو يبعن الخضار لم يعد أحد قادرا على الدفع لهن، خاصة ان كثيرا من أرباب الأسر باتوا يعملون مقابل دولار واحد في اليوم، لكن هذا المبلغ لا يشتري ما يكفي لإطعام أسرة.

السودان أخو الصومال.. في الجوع والمعاناة
عبد الله، الذي قطع تلك الرحلة الشاقة مع أسرته، يقول إن الحليب واللحم أصبحا “مجرد حلم”، أسرته تعيش على وجبة واحدة يوميا من عصيدة الذرة وبعض الأعشاب البرية التي تجمع من ضفاف الأنهار.
“الأطفال جائعون.. وهذا يؤلم”، نفس الحالة ونفس الحديث الذي يردده عبدالله في الصومال ردده رجل سوداني آخر؛ يردده وهو يرى أبناءه ينامون وبطونهم خاوية.
الحرب الأهلية والمجاعة ونقص الوقود وتراجع الإمدادات الإنسانية خلقت واقعا صعبا في السودان
الحرب الأهلية، المجاعة، نقص الوقود، وتراجع الإمدادات الإنسانية خلقت واقعا مشابها في السودان، فشاحنات المساعدات تتعطل، شركات النقل ترفض المجازفة، والوقود الشحيح يجعل الوصول إلى المناطق المنكوبة أكثر صعوبة. في بعض المناطق، يموت الأطفال بينما الإمدادات عالقة في الطريق.
المنظمات الإنسانية تصف اللحظة الراهنة بأنها “عصر اللامبالاة”، حيث تتراكم الأزمات لكن العالم لم يعد يعبئ الموارد كما كان يفعل.

الأطفال الأكثر هزالا وموتا
في مراكز التغذية بمقديشو، تصطف مئات الأمهات وهن يحملن أطفالا هزيلين بأجساد منهكة. أذرع صغيرة تقاس لتحديد مستوى سوء التغذية، أطفال يوضعون في دلاء معلقة بميزان لقياس أوزانهم، رضّع موصولون بأنابيب تغذية داخل وحدات الاستقرار الطبي، وآخرون يتنفسون بالأكسجين في سباق مع الموت.
أحد هؤلاء كان الطفل محمد عبدي عبد الله، البالغ من العمر 18 شهرا، وقد بدت أضلاعه بارزة من صدره بعدما فقد القدرة على الاحتفاظ بالطعام، واضطرت أسرته لبيع كل ما تملك، وبعد أن نفدت النقود منها، اضطروا للاستدانة، ثم تسولت أجرة الحافلة للوصول إلى المستشفى.
منذ بداية العام 2026 تضاعف عدد الأطفال الذين يدخلون المستشفيات بسبب مضاعفات سوء التغذية الحاد
ومنذ بداية العام، تضاعف عدد الأطفال الذين يدخلون المستشفيات بسبب مضاعفات سوء التغذية الحاد، فيما أغلقت مئات العيادات المحلية التي كانت قادرة على التدخل المبكر وإنقاذهم قبل أن تتدهور حالاتهم.

كارثة في الطريق
في أحد المخيمات، فقدت المدرسة هناك تمويلها، لكن المعلم ما زال يأتي كل يوم من دون راتب، لأنه يستخدم بطاقة غذائية مقدمة من برنامج الأغذية العالمي لشراء الأرز والفاصوليا، حتى يضمن أن يحصل تلاميذه على وجبة واحدة على الأقل.
لكن حتى هذا الدعم يتآكل، والتمويل ينخفض، والمواد الغذائية أصبحت أغلى، والطلاب ازداد عددهم مع تدفق المزيد من الأسر الهاربة من الجفاف.
وفي مستودعات برنامج الأغذية العالمي في دولو، تقف عشرات الخيام المخصصة للتخزين فارغة، وصندوق واحد فقط بقي فيه مكمل غذائي للأطفال والنساء الحوامل.
المسؤولون في برنامج الأغذية يحذرون من نفاد آخر الإمدادات الغذائية في الصومال عندها سيكون الأمر مأساويا
المسؤولون في برنامج الأغذية يقولون إن ما تبقى يكفي لشهرين فقط.. بعد ذلك؟، خط “الإمداد سيصبح صفرا”، وهي الجملة التي تختصر الكارثة القادمة.
وتكمن المشكلة في أنَّ العالم الذي اعتاد أن يتدخل عندما تقترب المجاعة، يبدو اليوم أقل استعدادا، أقل تمويلا، وأكثر انشغالا بحروبه ومصالحه، وبينما تتصارع القوى الكبرى على النفوذ والحدود والطاقة، يدفع الفقراء الثمن في أماكن بعيدة لا تظهر كثيرا على الشاشات.
أخيرا.. في الصومال، لا يفكر الناس في السياسة الدولية ولا في خرائط الحرب، هم يعرفون فقط أن المطر لم يأت، والمواشي نفقت، والمساعدات توقفت، والطعام صار أغلى من قدرتهم، ويعرفون أن الجوع لم يعد تهديدا مستقبليا، بل أصبح واقعا معاشا بكل تفاصيله المرة.

المصدر: صحيفة نيويورك تايمز

