في وقت تتزايد فيه الأسئلة حول مستقبل الأمن الغذائي في العالم، تواصل قطر البحث عن حلول من داخل بيئتها نفسها، ومن بين هذه الحلول يبرز العسل كقصة مختلفة بدأت من نشاط بسيط، ثم تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مشروع وطني منظم يقوم على أسس علمية وإنتاجية متقدمة.
ومع اليوم العالمي للنحل، الذي يوافق 20 مايو من كل عام، لا يُنظر إلى هذا القطاع اليوم كمنتج زراعي فقط، بل كحكاية امتداد بين الإنسان والطبيعة، وبين المزارع والنحلة، في إطار رؤية أوسع تربط الاستدامة البيئية بالأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي.
وفي قلب هذه الحكاية، يتقدّم العسل القطري كنموذج لتجربة وطنية صاعدة، جمعت بين الدعم الحكومي والتأهيل الفني والتطوير الإنتاجي، لتمنح للنحل دورا يتجاوز إنتاج العسل، نحو المساهمة في حفظ التوازن البيئي وتعزيز الحياة الزراعية نفسها.

مشروع وطني بامتياز
انطلق المشروع الوطني لنحل العسل عام 2013 بوصفه أحد المشاريع الزراعية الوطنية الهادفة إلى دعم الإنتاج المحلي، وتعزيز حماية البيئة، وتنمية قطاع تربية النحل، ضمن رؤية أشمل تسعى إلى رفع كفاءة المزارع، وزيادة إنتاجيتها، وتنويع مصادر الدخل الزراعي في الدولة.
متوسط الإنتاج السنوي من العسل المحلي نحو 21,600 كيلوغرام
وخلال سنوات التنفيذ، شهد القطاع نموا تدريجيا وملموسا، إذ ارتفع عدد خلايا النحل من نحو 1650 خلية عند انطلاق المشروع إلى قرابة 3600 خلية حاليا، ما يعكس توسعا مستمرا في قاعدة الإنتاج المحلي وتزايدا في الاهتمام بهذا القطاع.
كما بلغ متوسط الإنتاج السنوي من العسل المحلي نحو 21,600 كيلوغرام، في حين استفادت من المشروع حتى اليوم 165 مزرعة قطرية، ضمن منظومة دعم وتطوير متكاملة.

ويعكس هذا المسار تحول قطاع تربية النحل من نشاط محدود إلى منظومة إنتاجية منظمة، تقوم على الدعم الفني والإشراف الميداني، وتنظيم العمل داخل المزارع، ورفع كفاءة إدارة المناحل، بما ينعكس بشكل مباشر على تحسين جودة الإنتاج واستدامته.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس قسم التنمية الزراعية بوزارة البلدية أحمد اليافعي أن دعم الوزارة للمزارعين لم يكن مقتصرا على توفير خلايا النحل فقط، بل شمل منظومة متكاملة تبدأ بتزويد كل مزرعة مستفيدة بعشر خلايا نحل مع مستلزماتها الأساسية، بما في ذلك أدوات تربية النحل ومعدات الفرز والإنتاج.
اليافعي: دعم الوزارة للمزارعين لم يكن مقتصرا على توفير خلايا النحل فقط، بل شمل منظومة دعم متكاملة
وأضاف أن الدعم يمتد أيضا إلى الجوانب الفنية، من خلال تقديم الإرشاد الزراعي المباشر عبر مهندسين وخبراء متخصصين، يعملون على تدريب النحالين على أساليب إدارة المناحل الحديثة، وتحسين طرق التربية، ورفع كفاءة عمليات الفرز والإنتاج، بما يضمن إنتاج عسل عالي الجودة.

العسل القطري.. ابن بيئته
ويتميز العسل القطري بارتباطه الوثيق بالبيئة الطبيعية والمواسم الزراعية المحلية، إذ لا يعتمد على نمط إنتاج ثابت، بل يتغير بحسب مصادر الرحيق المتاحة خلال العام، وهو ما يمنحه تنوعا في الخصائص والنكهات.
يعد عسل السدر من أبرز وأهم أنواع العسل في قطر، ويستخرج من رحيق أزهار أشجار السدر المنتشرة في البيئة المحلية
ويعد عسل السدر من أبرز وأهم أنواع العسل في قطر، ويستخرج من رحيق أزهار أشجار السدر المنتشرة في البيئة المحلية، ويتميز بلونه الكهرماني الداكن، وقوامه الكثيف، ونكهته القوية والمركزة، إضافة إلى ارتفاع الطلب عليه في السوق المحلية مقارنة ببقية الأنواع.
ويحظى عسل السدر بمكانة خاصة لدى المستهلكين، نظرا لارتباطه بالهوية البيئية للمنطقة، فضلا عن خصائصه الطبيعية التي تجعله من أكثر أنواع العسل تميزا من حيث الجودة والطعم.
في المقابل، يمثل عسل الزهور أحد أهم الأنواع المنتجة محليا، ويعتمد على تنوع النباتات المزهرة خلال المواسم المختلفة، ما يؤدي إلى اختلاف خصائصه من حيث اللون والطعم والرائحة من موسم إلى آخر، بحسب طبيعة الأزهار المتاحة للنحل.
يمثل عسل الزهور أحد أهم الأنواع المنتجة محليا، ويعتمد على تنوع النباتات المزهرة خلال المواسم المختلفة
ويعكس هذا التنوع في الإنتاج قدرة القطاع المحلي على التكيف مع الظروف البيئية القطرية، والاستفادة من المواسم الزراعية المختلفة، بما يسهم في تعزيز استمرارية الإنتاج وتحسين جودته.

تطوير السلالات وتعزيز الكفاءة الإنتاجية
وفي إطار تطوير قطاع تربية النحل، تعمل إدارة الشؤون الزراعية بوزارة البلدية منذ عام 2015 على إنتاج نحو 250 ملكة نحل عذراء سنويا، بهدف تحسين السلالات المحلية، ورفع كفاءة الخلايا، وزيادة الإنتاجية بشكل مستدام.
إدارة الشؤون الزراعية بوزارة البلدية تعمل على تطوير سلالات النحل لتحسين الجودة والكمية
ويمثل هذا التوجه جزءا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تطوير البنية الوراثية للنحل المستخدم في المناحل القطرية، بما ينعكس على تحسين جودة الإنتاج وزيادة قدرته على التكيف مع الظروف البيئية المحلية.
كما يوفر المشروع دعما فنيا ميدانيا مستمرا للمزارعين المستفيدين، من خلال تنفيذ نحو 80 زيارة ميدانية شهريا، يقوم بها مهندسو قسم التنمية الزراعية، وتشمل هذه الزيارات تقديم الإرشادات الفنية المتعلقة بإدارة المناحل، ومتابعة صحة الخلايا، والوقاية من الأمراض، وتحسين الممارسات الإنتاجية داخل المزارع.

وفي الجانب التوعوي، تنظم الوزارة محاضرات وورش عمل تستهدف أصحاب المزارع والنحالين وطلبة المدارس والجامعات والهواة، بمتوسط 8 محاضرات كبرى سنويا، بهدف نشر ثقافة تربية النحل، وتعزيز الوعي بأهمية النحل في الحفاظ على التوازن البيئي ودعم الإنتاج الزراعي.
وزارة البلدية تقدم ورشا ومحاضرات تدريبية وتثقيفية للنحالين والهواة والباحثين
كما توفر الإدارة خدمة تحليل العسل للتأكد من مطابقته لاشتراطات الجودة، إلى جانب إشراك المزارعين في المعارض الزراعية ومعارض العسل المحلية، بما يسهم في الترويج للعسل القطري وتعزيز حضوره في السوق المحلية.
جودة عالية
قالت النحالة القطرية بثينة الخليفي إن مشاركتها جاءت إلى جانب عدد من النحالات القطريات العاملات في مجال إنتاج العسل المحلي، مشيرة إلى أن أبرز الأنواع المنتجة في قطر هي عسل السدر وعسل الزهور، مؤكدة أن القطاع يشهد تطورا متزايدا في مستوى الجودة، بفضل الدعم الفني والإرشادي المقدم للنحالين، والذي أسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين أساليبه. العسل القطري يتميز بجودة عالية وإقبال متزايد
وقال أحد زوار المعرض سالم المري، إن العسل القطري يتميز بجودة عالية وطعم مميز، مشيرا إلى أن عسل السدر وعسل الزهور من أكثر الأنواع طلبا لدى المستهلكين، لما يتمتعان به من خصائص طبيعية وجودة واضحة تعكس تطور قطاع تربية النحل في الدولة.
النحل.. ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغذائي
تؤكد وزارة البلدية أن أهمية النحل لا تقتصر على إنتاج العسل فقط، بل تمتد إلى دوره الحيوي في تلقيح المحاصيل الزراعية، وهو ما يسهم بشكل مباشر في رفع الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل، إلى جانب تعزيز التنوع البيولوجي داخل البيئة الزراعية.
ويأتي المشروع الوطني لنحل العسل ضمن رؤية شاملة تهدف إلى دعم الأمن الغذائي في الدولة، من خلال تطوير قطاع إنتاجي متكامل يجمع بين الدعم الفني، والتدريب، والإنتاج المحلي، وتحسين جودة المنتجات الزراعية.
وفي المحصلة، يعكس العسل القطري اليوم تجربة زراعية متنامية تقوم على تكامل الجهود الحكومية مع خبرات المزارعين، ضمن مسار طويل الأمد يهدف إلى ترسيخ قطاع مستدام قادر على دعم الاقتصاد الزراعي وتعزيز الاستدامة البيئية في الدولة.


