لم تكن الرياضة في قطر خلال العقود الماضية مجرد مساحة للمنافسة وتحقيق الإنجازات داخل الملاعب، بل تحولت إلى جزء من مشروع وطني شامل ارتبط بالرؤية التنموية التي قادها سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، والتي جعلت من الرياضة أداة لبناء الإنسان وتعزيز حضور الدولة على الساحة الدولية.
علاقة سمو الأمير الوالد -رحمه الله- بالرياضة قديمة، إذ أعلن تأسيس اللجنة الأولمبية القطرية وتشكيل أول مجلس لها في مارس 1979. وخلال فترة حكمه، التي امتدت من عام 1995 إلى عام 2013، تسارع تطوير القطاع الرياضي وتوسعت استثمارات الدولة في المنشآت والمؤسسات واستضافة البطولات الكبرى.
وبفضل رؤيته، انتقلت قطر خلال سنوات قليلة إلى مركز عالمي لاستضافة البطولات الكبرى، وأصبحت الدوحة واحدة من أبرز العواصم الرياضية في المنطقة والعالم.
مشروع دولة
اعتمد المشروع الرياضي القطري على بناء منظومة متكاملة تقوم على تطوير المنشآت، وتأهيل الرياضيين، وإنشاء مؤسسات متخصصة قادرة على صناعة جيل جديد من الأبطال.
لم يكن الهدف تحقيق نجاحات مؤقتة، بل تأسيس قاعدة مستدامة تبدأ من الرياضة المدرسية والمجتمعية، مرورا بالأندية والاتحادات، وصولا إلى المنافسة في البطولات العالمية.
وفي هذا الإطار، شهدت البلاد توسعا كبيرا في إنشاء المنشآت الرياضية الحديثة، وتطوير البنية التحتية وفق أعلى المعايير الدولية، لتصبح الدولة قادرة على استضافة أكبر المنافسات القارية والعالمية.
أسباير مصنع الأبطال
يُعد تأسيس أكاديمية “أسباير” عام 2004 أحد أبرز المحطات في مسيرة النهضة الرياضية القطرية، إذ جسدت رؤية سمو الأمير الوالد في الانتقال لصناعة المواهب المحلية وبناء أبطال المستقبل.
فقد صُممت الأكاديمية لتكون أكثر من مجرد مركز للتدريب، فجمعت بين التعليم الأكاديمي والتكوين الرياضي المتخصص، بهدف إعداد جيل من الرياضيين القادرين على المنافسة في أعلى المستويات.
وضمت “أسباير” منشآت رياضية متطورة، من بينها القبة الرياضية التي تعد من أكبر المنشآت المغلقة من نوعها عالميا، بسعة تصل إلى 15 ألفا و500 متفرج، وتضم 13 صالة رياضية متعددة الاستخدامات.
وكان المشروع قد بدأ بوضع حجر أساس المدينة الرياضية عام 2003، قبل افتتاح أكاديمية “أسباير” عام 2004، ثم إعادة تسمية المدينة الرياضية إلى “أسباير زون” عام 2006. وفي مطلع عام 2008 أُنشئت “مؤسسة أسباير زون” لتضم الأكاديمية ومستشفى “أسبيتار” و”أسباير لوجستيكس”.
وكان لهذه الرؤية أثر واضح في تطور المنتخبات الوطنية، إذ أسهم خريجو “أسباير” في تشكيل نواة عدد من الفرق القطرية، وكان لهم دور بارز في الإنجازات التي حققتها الرياضة القطرية، وعلى رأسها تتويج منتخب كرة القدم بكأس آسيا عامي 2019 و2023 والتأهل إلى كأس العالم عام 2026، إلى جانب بروز أسماء قطرية في الألعاب الأولمبية والبطولات العالمية.
استضافة كأس العالم
جاءت اللحظة الأبرز في المشروع الرياضي القطري في ديسمبر 2010، عندما أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) فوز قطر بحق استضافة كأس العالم عام 2022، لتصبح أول دولة عربية وشرق أوسطية تنظم البطولة العالمية.
ولم يكن هذا الإنجاز وليد اللحظة، بل كان نتيجة سنوات من التخطيط والاستثمار في البنية التحتية الرياضية، وتطوير المنشآت، وبناء الخبرات التنظيمية، وهو المسار الذي شكلت “أسباير” إحدى ركائزه الأساسية.
وتحول المونديال إلى تتويج لمسيرة طويلة جعلت من الرياضة وسيلة لتعزيز التنمية الوطنية، ونافذة لتعريف العالم بقدرات قطر وإمكاناتها.
والرؤية الرياضية لسمو لأمير الوالد لم تقتصر على كرة القدم أو استضافة البطولات الكبرى، بل امتدت لتشمل مختلف الألعاب الرياضية، مع دعم الاتحادات والأندية وتطوير الرياضات الفردية والجماعية.

