بدأت تداعيات الحرب في منطقة الشرق الأوسط تتسلل سريعا إلى قلب النظام الغذائي العالمي، مهددة بإشعال أزمة قد تتجاوز في حدتها صدمات سابقة، وسط مخاوف متزايدة من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار على نطاق واسع.
قلق في “سلة غذاء الهند”
ففي ولاية البنجاب، أحد أهم الأقاليم الزراعية في الهند، يعيش المزارعون حالة من القلق المتصاعد، إذ يقول المزارع راجبال سينغ، الذي يزرع الأرز والقمح والذرة: “إن المنطقة بدأت تشعر بارتدادات الحرب، في ظل صعوبات قائمة أصلا في الحصول على الأسمدة بسبب القيود الحكومية”.
ومع اقتراب موسم زراعة الأرز خلال ثلاثة أشهر، يخشى سينغ من انقطاع الإمدادات الحيوية، خاصة بعد تسجيل انقطاعات كهربائية يومية تمتد من 6 إلى 8 ساعات في قريته قرب لوديانا.
ويضيف: “إذا استمرت الحرب، سيصبح الوضع بالغ الصعوبة على المزارعين، وسيتأثر إنتاج الغذاء، لا نعرف إلى أي مدى قد تتفاقم الأزمة”.
ارتباك في المزارع الأمريكية
وعلى بعد آلاف الأميال، في ولاية مينيسوتا الأمريكية، يواجه المزارع براندون فرونينج تحديات مماثلة، فقد أرجأ شراء الأسمدة على أمل تراجع الأسعار، إلا أن اندلاع الحرب أطاح بهذه التوقعات.
يقول فرونينج”: “إن الأسعار ترتفع بشكل جنوني، ومع اقتراب موسم زراعة الذرة خلال أسابيع، يخشى من خسائر كبيرة، خاصة مع صعوبة الحصول على التمويل والسيولة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة”.
ما بعد النفط.. تهديد للأمن الغذائي
ورغم تركّز الأنظار على اضطرابات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز، يرى خبراء أن الخطر الحقيقي قد يكمن في الأمن الغذائي.
ويؤكد مجلس العلاقات الخارجية عبر أحد خبرائه أن الغذاء يمثل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، بعكس الطاقة التي يمكن التكيف مع نقصها مؤقتا.
ويحذر مختصون من أن تأثير هذه الحرب قد يتجاوز أزمة عام 2022 الناتجة عن الغزو الروسي لأوكرانيا 2022، خاصة أن الأزمة الحالية تضرب مفاصل عدة من النظام الغذائي في آن واحد، تشمل الطاقة والأسمدة وسلاسل التوريد.
الأسمدة في قلب العاصفة
وتشكل منطقة الخليج محورا رئيسا في سوق الأسمدة العالمية، ومع تعطل الإنتاج والشحن، تقلصت الإمدادات وارتفعت الأسعار.
كما أن العديد من الدول تعتمد على الغاز الخليجي لإنتاج الأسمدة، ما يزيد من تعقيد الأزمة.
ويؤدي ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء إلى زيادة تكاليف النقل والتخزين والطهي، ما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء للمستهلكين.
تداعيات تمتد عبر القارات
وبدأت آثار الأزمة تظهر بالفعل في آسيا وأفريقيا، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية نتيجة زيادة تكاليف الوقود.
وتعاني دول مثل كينيا والصومال وتنزانيا والسودان من ضغوط متزايدة بسبب اعتمادها على الأسمدة المستوردة بحرا.
وفي الصومال، سجلت أسعار الغذاء الأساسية ارتفاعا يقارب 20% منذ بداية الصراع، وفق بيانات برنامج الأغذية العالمي.
كما تواجه دول جنوب آسيا، مثل الهند وباكستان وبنغلاديش، مخاطر إضافية لاعتمادها على الغاز المستورد من الخليج في إنتاج الأسمدة، بينما لن تكون الولايات المتحدة بمنأى عن التأثير، إذ ستنعكس الأزمة في صورة ارتفاع الأسعار.
تضخم غذائي يلوح في الأفق
وتتوقع تحليلات اقتصادية أن يؤدي اضطراب سوق الأسمدة وحده إلى مضاعفة معدل تضخم الغذاء في الولايات المتحدة من نحو 2% إلى 4% سنويا، وقد يتجاوز 10% إذا استمر الصراع حتى الصيف.
ويرى محللون أن الأزمة قد تتطور بشكل أبطأ مقارنة بعام 2022، لكنها مرشحة لأن تكون أشد قسوة في حال استمرارها، بسبب محدودية الموارد الفعلية هذه المرة، وليس فقط اضطراب سلاسل الإمداد.
مخاطر اجتماعية وسياسية متصاعدة
وتحذر الأمم المتحدة من أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي بحلول منتصف العام، إضافة إلى 318 مليونا يعانون بالفعل.
وتكتسب الأزمة بعدا سياسيا، إذ تمثل أسعار الغذاء قضية حساسة للناخبين في دول كبرى.
ففي الهند، يحذر خبراء من احتمال اندلاع احتجاجات للمزارعين في حال نقص الأسمدة.
بينما في الولايات المتحدة قد تتحول الأزمة إلى ملف انتخابي بارز مع اقتراب الاستحقاقات السياسية.
كما برز اسم دونالد ترامب في سياق النقاشات، مع محاولات رسمية لاحتواء تداعيات الأزمة وطمأنة الأسواق.
أزمة طاقة تضرب الزراعة
وتعتمد كل مراحل إنتاج الغذاء على الطاقة، من تشغيل المعدات الزراعية إلى نقل المنتجات.
وفي بنغلاديش، يعاني المزارعون من نقص الديزل اللازم لتشغيل مضخات الري، ما يهدد المحاصيل مباشرة.
ويحذر أحد المزارعين من أن استمرار هذا الوضع لأيام إضافية قد يؤدي إلى أضرار جسيمة للمحاصيل.
شلل في إنتاج الأسمدة عالميا
وتعتمد الزراعة الحديثة على ثلاثة عناصر أساسية: النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم، ويرتبط إنتاجها بشكل وثيق بالغاز والنفط.
وتشير بيانات مجموعة CRU إلى أن 43% من تجارة اليوريا العالمية و45% من صادرات الكبريت معرضة للخطر بسبب الأزمة، في حين اضطرت قطر للطاقة إلى تعليق الإنتاج في أحد أكبر مجمعات اليوريا.
كما تأثرت دول أخرى؛ إذ خفضت الجزائر إمدادات الغاز لمصانع الأسمدة، وتوقفت منشآت في أوروبا عن العمل، بينما أُغلقت مصانع في بنغلاديش بسبب نقص الغاز.
عاصفة مركبة: المناخ وارتفاع الأسعار
وتتفاقم الأزمة مع تقلبات المناخ، حيث تشير توقعات منظمة الأغذية والزراعة إلى احتمال عودة ظاهرة “إل نينيو”، التي قد تسبب اضطرابات في الأمطار والجفاف والفيضانات.
وفي ظل نقص الأسمدة وسوء الأحوال الجوية، قد تتضاعف آثار الأزمة بشكل خطير، ما يهدد الإنتاج الزراعي عالميا.
الأسمدة… مورد استراتيجي حاسم
وتشير التقديرات إلى أنه في حال استمرار ارتفاع أسعار الأسمدة إلى مستويات مرتفعة، فقد ترتفع أسعار الغذاء العالمية بنسبة تتراوح بين 60% و100%، مع احتمال دفع نحو 100 مليون شخص إضافي نحو سوء التغذية.
ويؤكد خبراء أن التعامل مع الأزمة يتطلب اعتبار الأسمدة موردا استراتيجيا، وبناء احتياطيات وتأمين سلاسل الإمداد، محذرين من أن السياسات الحمائية مثل قيود التصدير قد تزيد الوضع سوءاً.
وفي هذا السياق، يلخص أحد خبراء منظمة الأغذية والزراعة المشهد بقوله: “إذا تصرفت كل دولة بشكل أناني، فسيشتري الأغنياء ما يحتاجون إليه، بينما سيُترك الفقراء دون غذاء”.
المصدر: فاينانشال تايمز

