يبدو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو متمسكا بخطة الهروب للأمام والتي يحاول من خلالها تحميل الآخرين مسؤولية تحقيق ما في فشل هو في تحقيقه سلما وحربا، وفي مقدمة ذلك إعادة أسراه الذين وقعوا في قبضة المقاومة الفلسطينية خلال عملية طوفان الأقصى التي وقعت في السابع من أكتوبر الماضي وأصابت الصورة التي رسمتها إسرائيل لنفسها -على مدار عقود من الدعاية- في مقتل.
فبدلا من أن يحاول نتنياهو إيجاد مخرج لأزمته المتفاقمة بسبب فشله في استعادة الأسرى عسكريا كما تعهد قبل أكثر من خمسة أشهر، يواصل الحديث عن ضرورة تدخل دولة قطر للقيام بهذا الدور بدلا منه، ودون مقابل تقريبا.
وقد تحدث نتنياهو شخصيا خلال اجتماع مع بعض ذوي الأسرى عن أنه غير راضٍ عن الوساطة القطرية وأنه يريد من الولايات المتحدة والغرب الضغط على الدوحة لدفعها نحو ممارسة ضغوط أكبر على حركة المقاومة الإسلامية حماس من أجل إطلاق سراح الأسرى بشروط نتنياهو، وهو ما أكد القطريون أنه محاولة لإعاقة المفاوضات وإطالة أمد الحرب.
ورغم الانتقادات الكبيرة التي يتعرض لها نتنياهو في الداخل والخارج إلا أنه تمكن من عرقلة مقترح صفقة تبادل أسرى كان مطروحا على الطاولة قبيل شهر رمضان، ثم سارع لإلقاء المسؤولية على المقاومة التي قالت إنها تعاملت بجدية مع المقترح وإن رئيس وزراء الاحتلال يواصل اعتماد المراوغة لجعل المفاوضات بلا نهاية.
وفي حلقة جديدة من حلقات الهروب للأمام، كتبت الباحثة في معهد مشغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية نوح لزيمي مقالا في “إسرائيل اليوم” القريبة من نتنياهو، قالت فيه إن على الولايات المتحدة وأوروبا التحرك ضد الدوحة لدفعها نحو مزيد على الضغط على حماس.
وألقت الكاتبة مسؤولية فشل مفاوضات القاهرة التي كانت تحاول التوصل لاتفاق بين المقاومة وإسرائيل قبيل شهر رمضان، على عاتق دولة قطر التي قالت لزيمي إنها “لم تمارس ضغطا كافيا على حماس من أجل قبول الصفقة”.
وبناء على هذا التصور، دعت لزيمي الولايات المتحدة وأوروبا إلى عدم إبداء أي ثناء على الجهود التي تبذلها الدوحة من أجل وقف القتال وتبادل الأسرى، بل والتحرك معا ضدها.
وكان نتنياهو قد استخدم اللغة نفسها خلال اجتماعه مع بعض ذوي الأسرى في يناير الماضي عندما قال إن قطر لا تضغط على حماس بما فيه الكفاية وإنها تمثل بالنسبة له إشكالية أكبر من الأمم المتحدة والصليب الأحمر.
وفي مقالها الذي حمل عنوان “هكذا سنزيد الضغط على قطر”، قالت لزيمي إن الوقت قد حان لكي تحشد إسرائيل حلفاءها الغربيين لكي توضح للقطريين أن عليهم استخدام كل أدواتهم المتاحة من أجل إعادة الأسرى.
وطالبت الكاتبة بإيصال رسالة للدوحة مفادها أن عدم قيامها بما يريده نتنياهو سيؤدي لـ”عواقب وخيمة”، لأن قطر -من وجهة لزيمي- ستكون في هذه الحالة أكثر خطرا على إسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا.
وسردت الكاتبة قائمة طويلة من الشروط التي قالت إن على الولايات المتحدة أن تبدأ بفرضها على القطريين لكي تدفهم نحو إنجاز ما لم يتمكن نتنياهو من إنجازه، وإلا فإن عليها مواجهة العواقب، التي حددتها الكاتبة أيضا.
عرض هذا المنشور على Instagram
لكن أين هو العالم من مطالب لزيمي؟
لم يعد المسؤولون القطريون يولون اهتماما كبيرا بمثل هذه المطالبات التي قالوا في السابق إنها ليست إلا محاولة لعرقلة جهود الوساطة وإطالة أمد الحرب من أجل مصالح خاصة.
وقد أكد رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني خلال مؤتمر صحفي مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بيلنكن الأسبوع الماضي أن الدوحة ستواصل العمل من أجل وقف الحرب رغم محاولات البعض عرقلة هذه الجهود.
ليس هذا فقط، فقد أكد بلينكن ومن قبله الرئيس جو بايدن -الذي جدد دعمه لإسرائيل- أن قطر لعبت دورا مهما في مفاوضات إطلاق الدفعة الأولى من الأسرى، وأنها تواصل العمل من أجل إطلاق سراح البقية ووقف القتال وإداخل المساعدات.
ولا يقف الأمر عند بايدن ووزير خارجيته، فقد سبق لعديد من المسؤولين الكبار في إدارة بايدن ومنهم جيك سوليفان -مستشار الأمن القومي- وجون كيربي المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، وماثيو ميلر المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، أن أكدوا أهمية دور قطر في مفاوضات تبادل الأسرى.
وقد أكدت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو، ونظيره البريطاني ريشي سوناك، وآخرون من قادة العالم، على الأمر نفسه في أكثر من موضع.
وفي داخل إسرائيل نفسها، قال رئيس جهاز الموساد السابق إيلي كوهين إن توجيه الانتقادات إلى قطر وقال إنها البلد الوحيد على استعادة كافة الأسرى من قبضة المقاومة.
ولم تتمكن إسرائيل من تحرير أي أسير بالقوة كما تعهد نتنياهو بينما تمكنت من استعادة أكثر من 100 منهم عبر المفاوضات التي تلعب فيها قطر دورا محوريا، حسب وصف بلينكن.
وفي حين تتزايد عزلة إسرائيل العالمية بسبب مات ترتكبه من جرائم بحق المدنيين في غزة، قرر نتنياهو مواصلة طريقته المعتادة في السياسة والتي تقوم على خلق مشاكل جديدة لإبعاد الأعين عن مشاكل قديمة.
وقد أكدت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن حديث انتقادات نتنياهو لقطر يجر سلوكه في زمن الحرب إلى مستوى منخفض جديد، وقالت إنه يحاول تحميل قطر مسؤولية ما يجب أن يتحمله هو.
وقالت الصحيفة في يناير الماضي إن نتنياهو يمارس سياسية تعطيل المفاوضات عبر بعض التسريبات وإنه ذهب بأكاذيبه بعيدا من أجل خلق أعداء لشن حرب لا نهاية لها في المنطقة.
وكان الجميع يعول على صفقة توقف الحرب قبل حلول شهر رمضان لكن المقاومة قالت إنها لن تقبل بصفقة لا تضمن وقف العدوان وسحب القوات الإسرائيلية من القطاع وإعادة النازحين لمناطقهم، بينما يريد نتنياهو وقفا مؤقتا للقتال مقابل كافة الأسرى.
وخلال زيارته الأخيرة للدوحة في فبراير الماضي، قال وزير الخارجية الأمريكي إن الولايات المتحدة “محظوظة لوجود قطر في مفاوضات تبادل الأسرى.

