سلط تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” الضوء على المجاعة حول العالم، وأسبابها، وتأثيرها على جسد الإنسان.
وأفاد التقرير أن أكثر من 42 مليون شخص حول العالم يتعرضون لخطر المجاعة، في ظل تداخل العوامل المأساوية من صراعات مسلحة، وتغيرات مناخية، وتدهور اقتصادي عالمي متسارع.
ما هي المجاعة؟
وتُعرف المجاعة بأنها حالة من النقص الحاد في الغذاء داخل بلد أو منطقة ما، تؤدي إلى معاناة السكان من سوء التغذية الحاد، أو الجوع المميت، أو الوفاة.
ولا يتم إعلان المجاعة رسميا إلا من خلال اتفاق بين الأمم المتحدة، وحكومات الدول المتأثرة، والمنظمات الإنسانية، استنادا إلى مقياس عالمي يُعرف باسم “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” (IPC)، وهو أشبه بـ”مقياس ريختر للجوع”، ويتضمن خمس مراحل، حيث تعد المرحلة الخامسة هي الأشد خطورة، أي مرحلة المجاعة.
ولإعلان المجاعة رسميا، يجب تحقق ثلاثة شروط في منطقة جغرافية معينة:
- أن تعاني 20% على الأقل من الأسر من نقص حاد في الغذاء.
- أن تظهر على 30% على الأقل من الأطفال علامات سوء تغذية حاد.
- أن تصل معدلات الوفاة إلى شخص بالغ أو أربعة أطفال يوميًا من بين كل 10,000 شخص، بسبب الجوع أو
- ارتباط سوء التغذية بالمرض.
ورغم أن إعلان المجاعة لا يؤدي تلقائيا إلى تمويل فوري، إلا أنه غالبا ما يحرّك استجابة دولية عاجلة من منظمات الإغاثة والحكومات، ويُسهم في تسريع تقديم المساعدات.
وتبدأ الوكالات الإنسانية، مثل لجنة الإنقاذ الدولية، التدخل عندما تصل المناطق إلى المرحلة الثالثة من التصنيف أو أعلى، في محاولة لتجنّب الأسوأ قبل تفشي المجاعة بشكل كامل.
وتهدف هذه التصنيفات والآليات إلى لفت الأنظار نحو الأزمات المتفاقمة قبل أن تصل إلى نقطة اللا عودة، إلا أن الواقع الميداني يُظهر أن التحرك الدولي كثيرا ما يتأخر حتى بعد دق ناقوس الخطر.
ما تأثيرها على جسم الإنسان؟
وقال التقرير إنه في مناطق الصراع كغزة والسودان واليمن، يواجه ملايين الأشخاص خطر المجاعة، نتيجة الانهيار الكامل في منظومات الإمداد الغذائي وصعوبة الوصول إلى الطعام والماء. لكن ما الذي يحدث فعليا في جسم الإنسان حين يدخل مرحلة الجوع التام؟
في الأيام الثلاثة الأولى من التوقف عن تناول الطعام، يبدأ الجسم بفقدان الوزن بشكل سريع، وهي مرحلة يمكن للجسم التأقلم معها جزئيا. لكن بعد اليوم الثالث، تبدأ الآثار الخطيرة بالظهور: تنخفض حرارة الجسم، ويشعر الشخص بالخمول والإنهاك. تتأثر وظائف الكبد والكلى، وتضعف قدرة الجسم على تنظيم ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فقدان الوعي.
مع استمرار الجوع، تتدهور الحالة الصحية بشكل حاد، يظهر مرض الإسقربوط نتيجة نقص فيتامين C، وتتدهور العضلات والأنسجة، وتضعف المناعة. تبدأ الأعضاء الحيوية بالتوقف تدريجياً، ما عدا الدماغ الذي يستمر بالعمل لفترة أطول.
ويعتمد بقاء الإنسان على قيد الحياة في هذه المرحلة على كمية الدهون المخزنة في جسده، لكن غالبا ما تحدث الوفاة عندما يفقد الشخص نصف وزنه الطبيعي تقريبا، أي بين 45 و61 يوما من التوقف التام عن تناول الطعام، بحسب مؤشر كتلة الجسم. وتشير دراسات إلى أن النساء قد يكنّ أكثر قدرة على التحمل من الرجال.
لكن حتى من ينجو من المجاعة، لا ينجو من آثارها. فقد أظهرت دراسات على مجاعة الصين الكبرى أن الأطفال الذين عانوا من الجوع بين عمر عام وثلاثة أعوام، كانوا أقصر من أقرانهم بمعدل 2.1 سم، كما كان تحصيلهم الدراسي أضعف لاحقا. وارتفعت نسبة الأمراض المزمنة بين النساء اللواتي تعرضن لمجاعة في طفولتهن.
وغالبا ما تُستخدم المجاعة كوسيلة ضغط سياسي في الحروب، من خلال منع الغذاء والماء عن السكان المدنيين، وهو ما يشكل جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي. ورغم تحذيرات الأمم المتحدة، تستمر حالات المجاعة بالتصاعد، ويقف أكثر من 42 مليون شخص حول العالم اليوم على حافة الجوع القاتل.
التجويع في غزة
يشار إلى أن ما يحدث في قطاع غزة هو حالة “تجويع” مقصودة من قبل الاحتلال الإسرائيلي الذي يمنع دخول المواد الغذائية والمساعدات، ويحاصر القطاع بشكل كلي.
ومنذ الثامن عشر من مارس الماضي، شددت سلطات الاحتلال من إجراءات التجويع عبر منع شاحنات الأغذية والمساعدات من دخول القطاع، تزامنا مع استئناف حرب الإبادة الجماعية التي بدأت في السابع من أكتوبر عام 2023.
وفي يونيو الماضي، أُعلن عن اتفاق وقف إطلاق نار وتبادل أسرى بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة حماس، إلا أن الاحتلال خرق الاتفاق وعاد لاستئناف عدوانه في مارس الماضي.
وترافق استئناف العدوان مع حالة هي الأقسى في التاريخ الحديث من حيث عدد ضحايا التجويع وطالبي المساعدات، حيث تركزت المساعدات في مراكز أمريكية بعيدة عن المدنيين، الذين يتم استهدافهم من قبل جيش الاحتلال في كلّ مرة يتوجهون لهذه المراكز.
وفي آخر إحصائية لها أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة وفاة 14 حالة جديدة خلال الـ24 ساعة الماضية نتيجة التجويع وسوء التغذية، ما رفع العدد الإجمالي لوفيات التجويع منذ بداية العدوان إلى 147 حالة وفاة، بينهم 88 طفلا.
وأفادت الوزارة إلى أن 11 فلسطيني استشهدوا وأصيب 36 آخرين خلال الـ24 ساعة الماضية خلال محاولتهم الوصول إلى مراكز المساعدات، ليرتفع إجمالي شهداء لقمة العيش ممن وصلوا المستشفيات إلى 1,132 شهيدا وأكثر من 7,521 إصابة.
كما ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 59,821 شهيدا و 144,851 إصابة منذ السابع من أكتوبر 2023.

