أطلقت المقاومة خمسين صاروخا باتجاه مناطق يقول قادة إسرائيل إنها أصبحت آمنة بعد تقليص قدرات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الهجومية إلى حد بعيد، وهو ما يعزز أزمة الثقة التي تعيشها إسرائيل.
وفي اليوم الثاني بعد المئة من الحرب، رشقت المقاومة، اليوم الثلاثاء، 19 بلدة في غلاف غزة والنقب الغربي، بدفعات صاروخية كثيفة، وأصابت مبنى بمدينة نتيفوت بشكل مباشر.
ومساء الاثنين، قصفت المقاومة بلدة سيديروت بنحو عشرين صاروخا فشلت القبة الحديدية في التصدي لبعضها، وفق ما نشرته وسائل إعلام عبرية.
في الوقت نفسه، شهدت الضفة الغربية المحتلة مواجهات ليلية بين المقاومة وقوات الاحتلال التي تعزز حضورها في الشارع، وسط تحذيرات مسؤولين أمنيين إسرائيليين من أن الوضع بات على شفا الانفجار.
تأتي هذه التطورات بينما لم تتمكن الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة من نزع سلاح المقاومة أو التقليل من قدرتها الهجومية، فضلا عن فشلها الكامل في استعادة أي من أسراها.
ودفعت هذه التطورات بالخلافات الداخلية إلى السطح حيث علت الأصوات المنادية بوقف الحرب والتفاوض من أجل استعادة الأسرى، ناهيك عن تلك التي تطالب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالرحيل الفوري.
View this post on Instagram
فشل في تحقيق الأهداف
وكان نتنياهو قد تعهد في أول الحرب وخلالها بالقضاء على حركة حماس سياسيا وعسكريا، وقال إنه لن يسمح بوجود أي تهديد لإسرائيل على حدودها الجنوبية.
في المقابل، أكد أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام -الجناح العسكري لحماس- أن المقاومة هي من ستنهي نتنياهو وليس العكس، وقال إن هذه الحرب ستلحق بإسرائيل وجيشها خسائر أكبر مما تتوقع.
وخلال 102 يوم، ما تزال المقاومة ثابتة على الأرض رغم حالة الدمار الكبير التي ألحقها القصف الإسرائيلي بالقطاع، والتي أتت على نحو 70% من بنايات الشمال و25% من بنايات الجنوب بشكل كامل.
لكن المقاومة نجحت خلال هذه الفترة من تدمير ألف آلية على الأقل خلال هذه الأيام المئة، وألحقت بإسرائيل خسائر أكبر من يتم توثيقها، وفق ما أعلنه أبو عبيدة.
ومع بدء إسرائيل سحب قواتها من القطاع، شهدت الساحة الداخلية تصاعدا في عملية الانتقادات والصراعات السياسية التي تتخذ من الفشل العسكري منطلقا لها.
وقد طفت الخلافات بين أعضاء مجلس الحرب على السطح خلال الأسبوع الماضي عندما رفض وزير الدفاع يوآف غالانت وعضو المجلس بيني غانتس الظهور مع نتنياهو في مؤتمر صحفي مشترك.

وقتل الجيش الإسرائيلي عشرت الأسرى والمحتجزين خلال عملياته في قطاع غزة، وهو ما زاد من ضغوط ذوي الأسرى المطالبين بوقف الحرب والقبول بصفقة الجميع مقابل الجميع التي طرحتها المقاومة.
وخلال اليومين الماضيين، بثت المقاومة مقاطع فيديو لأسرى أكدوا مقتل زملائهم في ضربات نفذتها إسرائيل على غزة، وطالبوا نتنياهو بوقف الحرب فورا وإعادتهم إلى بيوتهم أحياء، وهو ما يمثل مزيدا من الضغط على رئيس الحكومة.
وأعلنت فصائل المقاومة مرارا أنه لا سبيل لاستعادة الأسرى إلا بتبييض سجون الاحتلال من الأسرى الفلسطينيين الذين تجاوز عددهم الـ12 ألفا، وفق بيانات نادي الأسير.
وكان عدد الأسرى في سجون الاحتلال بحدود الـ7 آلاف قبل الحرب، لكن سلطات الاحتلال اعتقلت قرابة 6 آلاف آخرين بعد الحرب وأحالت نحو ألفين منهم إلى الاعتقال الإداري.
وترفض المقاومة التفاوض بشأن الأسرى قبل وقف الحرب وسحب كافة القوات الإسرائيلية من غزة والقبول بإطلاق سراح كل الأسرى الفلسطينيين من كافة التيارات ودون استثناء.
ومع تراجع احتمالات تحقيق الأهداف العسكرية في غزة، قال الوزير بمجلس الحرب الإسرائيلي غادي آيزنكوت، إن على تل أبيب التوقف عن الكذب على نفسها، وإبرام صفقة تعيد الأسرى، بدلا من استمرار الحرب.
ووفقا لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، فقد قال آيزنكوت خلال اجتماع المجلس مساء السبت الماضي: “علينا التوقف عن الكذب على أنفسنا، وأن نتحلّى بالشجاعة ونتوجه إلى صفقة كبيرة تعيد المختطفين إلى وطنهم”.
وقالت الصحيفة إن عضو المجلس بيني غانتس يؤيد آيزنكوت في مسألة التوصل إلى صفقة تعيد الأسرى ولو بوقف الحرب، في حين يرفض نتنياهو وغالانت ذلك.
وفي تطور للخلاف، شارك غانتس -الذي ينظر له على أنه الأقرب لخلافة نتيناهو في رئاسة الحكومة- في مظاهرة حاشدة نظمها آلاف من ذوي الأسرى في تل أبيب هذا الأسبوع.

كما زاد زعيم المعارضة يائير لابيد من هجومه على طريقة إدارة الأزمة، متهما مُراقب الدولة بمنع تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للنظر في أحداث السابع من أكتوبر التي وصفها بأنها “أكبر فشل أمني”، وفق صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية.
إلى جانب ذلك، ألغت المحكمة العليا قانونا تم تمريره قبل الحرب وكان يقيد سلطتها على مراجعة قرارات الحكومة، وهي خطة ينظر إليها على أنها تكسير للحصون التي حاول نتنياهو تشييدها لحماية نفسه من أي محاكمة.
وفيما يواصل نتيناهو وغالانت الحديث عن نيتهما مواصلة الحرب حتى القضاء على حماس، قالت “يديعوت آحرونوت” إن أنفاق الحركة فاقت تقديرات إسرائيل بمئات المرات.
ليس هذا وحسب، فإن إسرائيل تواجه حاليا دعوى هي الأولى من نوعها أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة، وهو ما مثّل صدمة بدت في تصريحات مسؤوليها الذين اتهموا المحكمة والمحاكمة كلها بالوقاحة.
وقتلت إسرائيل أكثر من 24 ألف مدني بينهم قرابة 20 ألف طفل وامراة، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في غزة اليوم الاثنين.
View this post on Instagram
مخاطرة لقتل المدنيين
وفي حين يقول إسرائيل إنهم لا يستهدفون المدنيين ولا يتقلونهم من الأساس، ويتهمون مقاتلي المقاومة باستخدامهم دروعا بشرية، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية اليوم الثلاثاء إن ما لحق بغزة من خراب لم يكن مصادفة.
وأضافت الصحيفة في تقرير أن الجيش الإسرائيلي كان يدرك أن خسارة فادحة تنتظره في غزة، لكنه خاض المخاطرة من أجل إيقاع خسائر فادحة في صفوف سكان القطاع.
وفي السياق، قالت صحيفة “غارديان” البريطانية، اليوم الثلاثاء إن قضية الإبادة الجماعية المرفوعة ضد إسرائيل “قدمت ما يكفي لتوضيح مدى قصور الاستجابة الدولية تجاه أزمة غزة بشكل صادم”.
وقالت الصحيفة إن القضية “أظهرت كيف أن المنطق الغربي بدأ يضعف، وأن قدرته على الإقناع تتراجع في عالم متعدد الأقطاب”، مشيرة إلى أن المحكمة قد ترفض القضية، لكن الغرب سيكون عليه دفع ضريبة تتمثل في فقدان مصداقيته.

وقد سخر الكاتب الإسرائيلي المخضرم جدعون ليفي من موقف إسرائيل في محكمة العدل الدولية بقوله “إذا لم يكن ما يجري في غزة إبادة جماعية فما هو تعريف الإبادة؟”.
وأضاف في مقال بصحيفة “هآرتس”، يوم الأحد “بأي اسم يمكن تسمية القتل الجماعي الذي يستمر دون تمييز وبشكل منفلت العقال، وبأبعاد يصعب تخيلها (في غزة)؟”.
وتساءل ليفي “كيف يمكن تسمية وضع يحتضر فيه الأطفال على الأرض في المستشفيات، حيث لم يبق لكثيرين منهم أي أحد في العالم، وكبار السن الذين تم تجويعهم يهربون طلبا للنجاة من رعب القصف الذي لا يتوقف في أي مكان؟”.
وختم بالقول :هل الـ 2.3 مليون إنسان، الذين معظمهم من المهجرين المعوزين والذين لا ينوون أي شيء وجائعون وعطشى ومرضى ومعاقون ومصابون، يهمهم إذا كان ما حدث لهم سمي إبادة جماعية أم لا؟ هل هذا التعريف القانوني سيغير مصيرهم؟”.
وفي انتقاد آخر للحكومة، قال المحلل العسكري ذائع الصيب عاموس هارئيل إن الجيش بدأ المرحلة الثالثة من الحرب من خلال سحب مزيد من القوات وتسريح جنود من الاحتياط، دون الإعلان عن ذلك.
وقال هارئيل في مقال بصحيفة “هآرتس” الأسبوع الماضي، إن نتنياهو وقادة جيشه وضعوا أهدافا بعيدة المنال كالقضاء على حماس واستعادة الأمن في غلاف غزة واسترداد الأسرى.
وخلص الكاتب الذي ينصت له المجتمع الإسرائيلي أن نتنياهو يحاول تسويق “كلام فارغ” للجمهور، مؤكدا أن الحكومة تعاني انقسامات كبيرة.
View this post on Instagram
إحباط أمريكي
وفي واشنطن، وصل إحباط الرئيس الأمريكي جو بايدن من نتنياهو حدا جعله يغلق الهاتف في وجهه خلال مكالمتهما الأخيرة التي جرت يوم 23 ديسمبر الماضي، وفق ما أكده موقع “أكسيوس” الأمريكي.
ويوم الأحد، نقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين أن نتنياهو رفض الإفراج عن عائدات الضرائب الفلسطينية المحتجزة لدى حكومة الاحتلال، وهو ما دفع بايدن لإنهاء المكالمة.
وقال المسؤولون إن بايدن ومسؤولين كبارا في إدارته محبطون من نتنياهو، لرفضه طلبات أمريكية تتعلق بالحرب على قطاع غزة.
وتتزايد أدلة فقدان بايدن صبره تجاه نتنياهو -حسب المسؤولين- الذين قالوا إن واشنطن تشعر بالقلق إزاء التزام إسرائيل بالانتقال إلى مرحلة أقل عنفا من العمليات العسكرية.
وقال مسؤول أمريكي إن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن أبلغ نتنياهو وأعضاء حكومة الحرب -خلال زيارته الأخيرة- بأن خططهم لما بعد الحرب “حلم لا يمكن تحقيقه”.

