سلطت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية الضوء على المخاوف العالمية من حدوث أزمة في إمدادات الهيليوم بعد انخفاض الإنتاج العالمي منذ اندلاع الحرب في منطقة الشرق الأوسط في 28 فبراير الماضي، حيث امتدت تداعيات الصراع إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة لتطال سلاسل توريد حيوية أخرى.
وتُعد منطقة الخليج وقطر على وجه التحديد مصدرا رئيسا للهيليوم -وهو منتج ثانوي للغاز الطبيعي- والذي يكتسب أهمية بالغة في تصنيع الرقائق الدقيقة، بما في ذلك تلك المستخدمة في طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية، بالإضافة إلى تشغيل بعض الأجهزة الطبية.
انكماش كبير في سلاسل التوريد
وأرسلت شركة تابعة لمجموعة “إير ليكيد” الفرنسية في الولايات المتحدة خطابا إلى عملاء الهيليوم الأسبوع الماضي لإعلان “القوة القاهرة” بشأن عقود التوريد، محذرة من أنها قد لا تتمكن من تلبية الطلبات نتيجة الصراع الدائر في الشرق الأوسط.
وقال المشرف على العمليات في الأمريكتين لدى “إير ليكيد” ماتيو جيارد: “إننا نشهد انكماشا كبيرا في سلسلة توريد الهيليوم العالمية”، مشيرا إلى أن فرق العمل تبحث بشكل مكثف عن مصادر بديلة وتعطي الأولوية للتطبيقات الحيوية.
وجاءت خطوة الشركة بعد أن أدت ضربة صاروخية إيرانية إلى توقف الإنتاج في مجمع “رأس لفان” التابع لشركة “قطر للطاقة”، وهو أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، وفي وقت يؤدي فيه تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز إلى خنق الصادرات البحرية من المنطقة.
ويتركز إنتاج الهيليوم بشكل كبير في قطر؛ حيث تمثل قطر ما بين 30-40 في المائة من الإنتاج العالمي، لتأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة، وفقا لهيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية.
وفي 2 مارس 2026 أعلنت قطر للطاقة توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال (LNG) والمنتجات المرتبطة به جراء هجمات صاروخية. وتجدد العدوان الإيراني على منشآت الطاقة القطرية في 18 و19 مارس، متسببا بأضرار جسميه لخطوط الإنتاج، ومنشآت تحويل الغاز إلى سوائل.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى حدوث قفزة في تكاليف الغاز منذ توقف صادرات الخليج. ونقلت عن مؤسس شركة “أكاب إنرجي” الاستشارية، أن كميات الهيليوم القطري ستنخفض بمقدار الثلث هذا العام مقارنة بعام 2025، وهو ما يعادل 11% من إجمالي الإمدادات العالمية للعام الماضي.
وقال المدير التجاري لشركة التنقيب “بولسار هيليوم”كليف كين، إنه يعلم بعقد تم الاتفاق عليه الأسبوع الماضي بسعر 0.90 دولار للقدم المكعبة، وهو ما يقرب من ثلاثة أضعاف مستويات ما قبل الحرب.
صناعة أشباه الموصلات في خطر
وأضاف أن المستوردين في كوريا الجنوبية، وهي مركز رئيس لصناعة أشباه الموصلات، “يتواصلون مع كل مكان” و”يطرقون جميع الأبواب” لتأمين الغاز.
ويلعب الهيليوم دورا حيويا في تصنيع أشباه الموصلات، حيث يستخدم الغاز عالي التوصيل الحراري لتبريد الرقائق أثناء نقش دوائرها. كما أنه ضروري في أجزاء من قطاع الرعاية الصحية، حيث يُستخدم كمبرد للمغناطيسات الكهربائية القوية في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)
وقال تاكايوشي أوراموتو، مدير شركة “نيبون هيليوم” اليابانية المستوردة، إن شركته تلقت سيلا من الاستفسارات من منتجي أشباه الموصلات داخل البلاد وخارجها بحثا عن إمدادات بديلة.
ومن جانبه، قال كوون سيوك جون، الأستاذ بجامعة “سونغ كيون كوان” في سيول، إنه بينما قد ترفع حرب قصيرة تكلفة الرقائق، فإن صراعا يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر قد يبدأ في تقييد الإنتاج.
تأثيرات على القطاع الطبي
وفي القطاع الطبي، قال مارك جونسون من كلية الطب بجامعة ميسوري إن بعض أنظمة التصوير الطبي قد تضطر إلى التوقف إذا كانت الانقطاعات في التوريد شديدة وطويلة الأمد. ومع ذلك، ذكرت شركة “بريمير”، التي تؤمن إمدادات الهيليوم للمستشفيات في الولايات المتحدة، أنه رغم تسبب الصراع في زيادات سعرية، إلا أن القطاع لم يشهد اضطرابا واسع النطاق بعد.
وفي سياق متصل، قالت شركة “سيمنز هيلثينيرز” المصنعة لأجهزة الرنين المغناطيسي إنها وضعت “استراتيجية تخفيف قوية، وأدارت مواقف مماثلة بنجاح في الماضي”.
ورغم أن ضغوط نقص الهيليوم لم تتحول بعد إلى أزمة شاملة، إلا أن الوضع سلط الضوء على ضعف سلسلة التوريد. وقال بو سيرز، الرئيس التنفيزي لشركة “هيليكس إكسبلوريشن”، إن السوق “ليس كبيرا أو متنوعا بما يكفي لاستيعاب هذه الاضطرابات بارتياح.. إن سلسلة توريد الهيليوم العالمية تفتقر فعليا إلى أي هوامش وقائية، وعندما يتوقف أي مصدر رئيس واحد، تكون العواقب فورية وملموسة”.

