بين التجاهل والتبرير: المجاعة في غزة في مرآة الإعلام الغربي

بين التجاهل والتبرير: المجاعة في غزة في مرآة الإعلام الغربي

شكلت الصحافة العالمية في التعاطي مع ملف قطاع غزة مزيجا بين التحذير الإنساني والتغاضي السياسي، ففي حين نقلت بعض المنصات مثل Middle East Eye وPBS مشاهد المجاعة بصراحة ووضوح، فإن وسائل أخرى مثل WSJ وBBC اختارت تغطية تركّز على فوضى الحشود أو إخفاقات تنظيمية، من دون ربط واضح بسياسات الحصار كسبب أساسي. هذه الاختيارات تثير تساؤلات حول مدى حيادية الإعلام، ودوره في كشف الحقائق و تبرير الإبادة.

وتؤكد الوثائق الأممية، وتقارير، أن السكان في قطاع غزة يعانون من انعدام شبه كامل للغذاء، حيث باتت حالات الإغماء من الجوع عرضا يوميا في الشوارع وطوابير توزيع المساعدات، خاصة في شمال غزة حيث يسقط الأطفال والنساء وكبار السن أثناء بحثهم عن لقمة.

يأتي ذلك في الوقت الذي تدق فيه منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر، محذرة من أن الجوع قد أصبح فعليا “سلاحا قاتلا” مع تسجيل وفيات بين الأطفال نتيجة سوء تغذية حاد.

بين التجاهل والتبرير: المجاعة في غزة في مرآة الإعلام الغربي

أسوأ الكوارث

وفي تقرير نشره موقع Middle East Eye ، وُصفت الأزمة بأنها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.

وندد التقرير بحصار الاحتلال الإسرائيلي الذي يعوق دخول الغذاء والدواء بالكامل، مما جعل من مراكز التوزيع ساحات قتل، بعد أن فتح جيش الاحتلال النار مباشرة على المدنيين.

 وشملت الشهادات الميدانية التي نقلها التقرير مشاهد لأطفال يموتون جوعا ونساء يلدن في ظروف كارثية وسط انهيارات غذائية، مع إحصائيات تشير لتقاعس المجتمع الدولي في معالجة هذه الكارثة الإنسانية.

شيطنة ضمنية

أما صحيفة ذا وول ستريت جورنال، فسلطت الضوء في تقرير ميداني مفصل على مجاعة حقيقية خاصة بين الأطفال، مؤكدة أن “توزيع الغذاء الذي تنفذه مؤسسة GHF الأمريكية المدعومة من إسرائيل قد نجم عنها مقتل وإصابة مئات الفلسطينيين في نقاط التوزيع”.

وما يُثير القلق في تقرير ذا وول ستريت جورنال هو النبرة التي تصف الحشود بـ”العنيفة وغير المنضبطة”، بل إنها نقلت روايات عن إطلاق النار حتى على أشخاص يحملون رايات بيضاء بزعم تجاوز الخطوط الأمنية. وبذلك أعاد التقرير تشكيل رواية “شيطنة ضمنية” إذ حمّل السكان مسؤولية الفوضى في محاولة لتبرئة ساحة المؤسسة.

بين التجاهل والتبرير: المجاعة في غزة في مرآة الإعلام الغربي
الآلاف من الجوعى يحاولون الوصول إلى مركز توزيع المساعدات الأمريكي

تجاهل للمسبب

نشرت بي بي سي تقريرا يوثق استشهاد 67 فلسطينيا في شمال غزة أثناء انتظارهم لسيارات المساعدات، ووصف الحدث بأنه “مجزرة بحق المدنيين الجوعى”، وفق وزارة الصحة المحلية.

ورغم أن 25 شاحنة مساعدات دخلت القطاع، إلا أن التدافع حولها أدى إلى فوضى دفع السلطات الإسرائيلية لإطلاق “طلقات تحذيرية” بحسب روايتها، بينما تعتبر غزة أن إطلاق النار كان مباشرا واستهدف نساء وأطفالا، وقد ركز التقرير على فوضى التوزيع وخلل التنظيم الأمني، دون ربط واضح بسياسات الحصار التي أدت إلى الأزمة من أساسها.

أسوأ يوم

من جانبها، بثت قناة PBS NewsHour ما وصفته بأسوأ يوم منذ بدء العدوان على غزة قبل أكثر من 21 شهرا، والذي تمثل باستشهاد 85 فلسطينيا أثناء محاولتهم الوصول للطعام، مع إشارة إلى أن 79 منهم استشهدوا عند معبر زيكيم في شمال غزة في ظل أزمة غذائية خانقة.

وركز التقرير أيضا على أوامر إخلاء وسط القطاع وقطع طرق التوزيع، مما أدى إلى تعطيل ركائز الإغاثة الإنسانية وتحويل المدنيين إلى فريسة للحصار والعنف. بحسب التقرير.

سرديات تبرير

وعلى الرغم من حجم الكارثة الإنسانية التي تواجهها غزة، لا تزال غالبية وسائل الإعلام الغربية تتعامل مع الأزمة ضمن سرديات تُبرر الإجراءات الإسرائيلية وتقلل من حجم المعاناة، متجاهلة السياق السياسي والأمني الأوسع الذي أدى إلى هذا الوضع.

فبينما ينقل بعض الإعلام روايات تركز على “فوضى الحشود” أو “العنف” في نقاط التوزيع، ويُغفل عن ذكر أن هذه الحشود هي في الأساس جياع يبحثون عن لقمة تعينهم على البقاء في ظل حصار خانق يمنع إدخال المواد الغذائية الأساسية والأدوية.

في هذا السياق، سلطت صحيفة ذا وول ستريت جورنال في تقريرها الميداني الضوء على مأساة الفلسطينيين الذين يحاولون الحصول على مساعدات غذائية عبر مركز توزيع تديره منظمة مدعومة من إسرائيل، حيث أبلغ عن سقوط عشرات الشهداء والإصابات بسبب إطلاق النار.

تحميل الضحايا المسؤولية

ورغم الاعتراف بوجود مجاعة حقيقية، إلا أن التقرير استخدم لغة تنطوي على شيطنة السكان، واصفا الحشود بـ”العنيفة” و”غير المنضبطة”، مما يعكس تحيزا في الطرح ويميل إلى تحميل الضحايا مسؤولية الفوضى.

على الصعيد ذاته، تناول تقرير بي بي سي الأحداث بشكل يوثق استشهاد عشرات الفلسطينيين خلال محاولتهم الحصول على المساعدات، مع التأكيد على أن إطلاق النار من قبل القوات الإسرائيلية أدى إلى سقوط ضحايا من النساء والأطفال، إلا أن التقرير أفرط في التركيز على مشاهد الفوضى عند نقاط التوزيع، مسلطا الضوء على سلوك الحشود دون تقديم تحليل كافٍ لسياسات الحصار التي تسببت في هذه الأزمة.

كما تضمنت الرواية الإسرائيلية في التقرير حججا تبرر استخدام القوة بحجة حماية الجنود والمواقع العسكرية، وهو ما يقلل من حجم المسؤولية الإسرائيلية عن المجازر.

حصار مستمر

وفي الوقن نفسه، قامت منظمة الصحة العالمية ومنظمات الأمم المتحدة مثل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وبرنامج الأغذية العالمي بتوثيق حالات الإغماء المتكررة والوفيات الناجمة عن سوء التغذية، خاصة بين الأطفال الذين يعانون من نقص البروتين وسوء التغذية الحاد. ورغم هذه التحذيرات، فإن نقص الإمدادات الغذائية والطبية مستمر بسبب الحصار والإجراءات الأمنية التي تمنع تدفق المساعدات.

وفي تقرير نشرته صحيفة الغارديان، تم التوثيق لعدد كبير من الشهداء والجرحى المدنيين أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات الغذائية، مع الإشارة إلى أن القصف الإسرائيلي المتكرر على مناطق دير البلح ووسط القطاع يزيد من معاناة السكان ويحد من فرص وصول المساعدات الإنسانية.

وتكشف هذه التقارير الإعلامية المتعددة تباينا واضحا في كيفية تناول الأزمة، حيث تراوحت بين تغطيات تركز على الجانب الإنساني المأساوي، وأخرى تتناول القضية من زاوية أمنية وسياسية تخدم الرواية الإسرائيلية.

ويبرز جليا أن الإعلام الغربي لم يرق بعد إلى مستوى تحمّل المسؤولية في نقل معاناة الشعب الفلسطيني بشكل حيادي ومتكامل، ولا يزال ينقل أحيانا أخبارا تنطوي على تبرير للعنف أو شيطنة للضحايا.

مجاعة حقيقة

ويعيش قطاع غزة مجاعة حقيقية، وأوضاعا إنسانية وصلت إلى مرحلة الانهيار الكامل وفق تقييمات وتقارير مؤسسات أممية ودولية.

وسجلت مستشفيات قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الماضية 15 حالة وفاة بينهم 4 أطفال بسبب المجاعة وسوء التغذية في القطاع، ليصل العدد الإجمالي لوفيات المجاعة إلى 101 حالة وفاة بينهم 80 طفلا.

كما بلغ عدد من وصل إلى المستشفيات خلال الـ 24 ساعة الماضية من شهداء المساعدات 99 شهيدا وأكثر من 650 إصابة، ليرتفع إجمالي شهداء لقمة العيش إلى 1,021 شهيدا وأكثر من 6,511 إصابة.

وارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 59,029 شهيدا و142,135 إصابة، فيما بلغ عدد الشهداء والمصابين منذ استئناف العدوان في 18 مارس 2025 الماضي إلى 8,196 شهيدا و30,094 إصابة. وفقا لبيانات وزارة الصحة.

الرابط المختصر: https://msheireb.co/69g