في عالم يزداد اضطرابا وتتسابق فيه الدول على التسلح، يبدو أن وجود جيش وطني هو قاعدة لا يمكن الاستغناء عنها لحماية السيادة وردع التهديدات، غير أن بعض الدول الصغيرة، بل والمستقرة، قررت كسر هذه القاعدة واتباع نهج مغاير.
وتتباين دوافع الدول التي اختارت التخلي عن الجيوش النظامية، لكنّ الرابط المشترك بينها هو السعي لتوجيه الموارد نحو التعليم، والصحة، والتنمية، بدلا من تخصيصها للمؤسسة العسكرية. وبالرغم من المزايا الاجتماعية لهذا القرار، إلا أنه يضع تلك الدول أمام تحدٍ دائم: كيف يمكن الحفاظ على الأمن في ظل غياب القوة المسلحة؟
تعتمد هذه الدول في دفاعها على مزيج من الاتفاقيات الثنائية مع دول كبرى، والعضوية في تحالفات أمنية، والاعتماد على الموقع الجغرافي المعزول، إلى جانب تعزيز مؤسسات القانون والدبلوماسية الدولية.
ما هي الدول التي ليس لديها جيش؟
- كوستاريكا
منذ عام 1948، وبعد نهاية حرب أهلية دموية، ألغت كوستاريكا جيشها رسميا، مفضلة توجيه ميزانيتها إلى التعليم والرعاية الصحية.
واليوم، تستند الدولة الواقعة في أمريكا الوسطى إلى الحماية التي توفرها الولايات المتحدة وحلفاء آخرون عند الحاجة، بينما تُعرف عالميا كدولة خضراء ومسالمة.
- آيسلندا
هذه الدولة الجبلية الواقعة شمال الأطلسي، لا تملك جيشا منذ استقلالها عام 1944، وتعتمد على عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى اتفاقيات دفاعية مع واشنطن، حيث تتولى قوات خفر السواحل حماية حدودها ومياهها الإقليمية، بينما تبقى من بين أكثر الدول استقرارا في العالم.
- ليختنشتاين
الجيش في إمارة ليختنشتاين لم يعد موجودا منذ عام 1868، حين قررت الدولة الصغيرة الواقعة بين سويسرا والنمسا إلغاءه لتقليل التكاليف.
ومنذ ذلك الحين، تتكفّل سويسرا بحماية حدودها بشكل غير رسمي، في حين تؤدي الشرطة المحلية مهام الأمن الداخلي.
- موناكو
تستفيد إمارة موناكو من اتفاق دفاعي مع فرنسا منذ عام 1918. وقد سمحت هذه الترتيبات للمدينة الصغيرة الساحلية بالتركيز على السياحة والقطاع المالي، مع الحفاظ على استقرار سياسي وأمني لافت.
- بنما
في عام 1990، قررت بنما إلغاء جيشها النظامي واستبداله بقوة عامة تشمل الشرطة ووحدات بحرية وجوية، ومنذ ذلك الحين، تعتمد البلاد على البنية الأمنية الداخلية، دون تدخل مباشر من الجيش.
- الفاتيكان
أصغر دولة في العالم لا تمتلك جيشا، لكنها تعتمد على الحماية الإيطالية بموجب اتفاقية لاتران الموقعة عام 1929، وعلى الرغم من أن الحرس السويسري يؤدي دورا رمزيا في حماية البابا، فإن المهام العسكرية الكبرى تقع على عاتق روما.
- الجزر المعزولة والدفاع المشترك
الدول الجزرية “كيريباتي، وساموا، وتوفالو، وفانواتو، وناورو” الواقعة في المحيط الهادئ لا تملك جيوشا، بل تعتمد على اتفاقيات دفاعية مع دول مثل أستراليا ونيوزيلندا.
في المقابل، تستثمر هذه البلدان ميزانياتها في التعليم والبنية التحتية، مستفيدة من بعدها الجغرافي عن بؤر النزاعات.
- بالاو وميكرونيزيا
وقّعت هذه الدول اتفاقيات ارتباط حرّ مع الولايات المتحدة، تمنح بموجبها واشنطن مسؤولية الدفاع عنها مقابل امتيازات جغرافية وسياسية، في نموذج يشبه الحماية الخارجية الطوعية.
- أندورا
تقع هذه الدولة بين فرنسا وإسبانيا، وتعتمد على الدولتين الجارتين للدفاع عنها بموجب اتفاقيات تاريخية. وتحتفظ بوحدات رمزية لا تتعدى دورها الاحتفالي أو الأمني المحدود.
- سان مارينو
الجمهورية الأوروبية الصغيرة لا تمتلك جيشا نظاميا، لكنها تحتفظ بفيلق احتفالي رمزي، وتعتمد على إيطاليا في حالة نشوب نزاع أو تهديد خارجي.
- الكاريبي.. التعاون الأمني الإقليمي
اعتمدت الدول الصغيرة “دومينيكا، وغرينادا، وسانت لوسيا، وسانت فنسنت، وجزر غرينادين” على منظمة دول شرق الكاريبي (OECS) في بناء نظام دفاعي جماعي، يوفّر الحماية من خلال التعاون الأمني الإقليمي، إلى جانب دعم من دول كبرى كالمملكة المتحدة وأستراليا.
- موريشيوس
بعد استقلالها عن بريطانيا عام 1968، ألغت موريشيوس جيشها النظامي، واستعاضت عنه بقوات أمن داخلي وقوة شبه عسكرية خاصة تعنى بحماية الأمن القومي، ويعد هذا النموذج من أكثر الحالات استقرارا في أفريقيا، خصوصا على المستوى الديمقراطي والمؤسساتي.
يشار إلى أن قرار التخلي عن الجيوش ليس مجرد انسحاب من الساحة العسكرية، بل هو التزام بخيار استراتيجي يقوم على الثقة في التعاون الدولي، والتحالفات، ومؤسسات القانون الدولي.
غير أن هذا الخيار ليس بلا مخاطرة، إذ تبقى هذه الدول عرضة لتغيّر التحالفات وتقلبات الأوضاع الجيوسياسية.

