نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية المرموقة تقريرا مطولا استعرض الأسباب التي جعلت من قطر شريكا استراتيجيا لا غنى عنه للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، كما سلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ”الشجاعة القطرية” في التعامل مع الحرب الأخيرة في المنطقة.
وقال أستاذ الشؤون العامة والدولية إيفان ساشا شيهان في التقرير، إنه مهما كانت الانتقادات الموجهة للعمليات العسكرية الجارية في إيران، فقد أوضحت العملية الأمريكية طبيعة التحالفات الاستراتيجية للولايات المتحدة بطريقة لم يتوقعها إلا القليل من المحللين.
وأبرز شيهان أن أحد أهم الحلفاء الإقليميين لواشنطن هي دولة قطر، التي قال إنها لطالما وصفت بالمرونة الدبلوماسية.
وأكد كاتب التقرير أن الدوحة أظهرت رباطة جأش كبيرة تحت الضغط، مقدمة نموذجا في الشجاعة، حيث أن سلوكها منذ بدء العملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في إيران يردّ على النقاد والمشككين في موثوقيتها.
وأضاف: “ومع خضوع الشرق الأوسط لما قد يكون أهم من إعادة ترتيب أمني في جيل كامل، استمرت جوقة من النقاد في توجيه نيرانها نحو قطر”، مشيرا إلى أن ادعاءات النقاد تبدو متجاوزة للزمن، ومعتمدة على التخمين أكثر مما تشبه المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر.
وتابع: “إن الاختبار الأساسي لأي حليف في السياسة الخارجية بسيط: ماذا يفعل عندما تبدأ القنابل في السقوط؟ ليس في الأوراق البحثية أو جلسات النقاش! بل في الإلحاح المزعج للوقت الفعلي”.
الدوحة مقابل التصعيد
وسلط التقرير الضوء على طريقة تعامل قطر مع الهجمات الإيرانية على الدوحة، وخاصة على قاعدة العديد الجوية في يوم 23 يونيو 2025، مبينا أن القوات القطرية والأمريكية قامت بشكل مشترك بتفعيل أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات وأسقطت التهديد القادم بدقة.
وبيّن أن هذا النجاح برز بشكل واضح بعدم مقتل أي جندي قطري أو أفرد من الخدمة الأمريكية الموجودين في القاعدة. وأضاف: “بحلول صباح اليوم التالي، كانت قاعدة العديد تعمل بكامل طاقتها”.
لم تكن هذه النتيجة وليدة الصدفة، بل هي نوع من دراسات الحالة التي سأضطر عادة إلى بنائها افتراضيا لطلابي، يقول الكاتب.
وأوضح أن هذه النتيجة التي أدت إلى تصدي قطر للهجمات الإيرانية كانت نتاج سنوات من الاستثمار القطري في أنظمة الدفاع الأمريكية، والتدريب المشترك، والبنية التحتية المشتركة.
قطر صمدت في الميدان
وأشار الأستاذ في الشؤون الدولية أن “قطر صمدت في الميدان، وأن هذا ليس تخمينا، بل هو ما حدث، ويجب الاعتراف به من قبل أي استراتيجي يسعى لوصف العلاقة بأنها معقدة أو غامضة”.
وأشار إلى أن “طهران تلقت عرضا حيا لما تبدو عليه الشراكة الأمنية تحت النار”، مبينا أن استئناف العمل في القاعدة بعد ساعات من استهدافها أرسل رسالة واضحة لإيران بأن “قطر لن تتعرض للإكراه أو الترهيب، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج ليس هشا كما افترض استراتيجيون إيرانيون على ما يبدو، وهو أمر في جيوسياسية الشرق الأوسط، أندر مما يرغب صناع السياسة في الاعتراف به”.
والمفارقة هي أنه قبل أسابيع قليلة فقط من هجوم يونيو 2025 (حرب الـ12 يوما على إيران) تحركت مجموعة من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي لعرقلة مبيعات عسكرية بقيمة 1.9 مليار دولار لقطر، بما في ذلك طائرات “MQ-9B” بدون طيار وأنظمة متطورة أخرى، يشير التقرير.
ولفت إلى أن هذه المحاولة فشلت، لافتا إلى أنها توضح في الوقت نفسه “حالة مرضية متكررة في السياسة الخارجية الأمريكية وهي: المناورات السياسية المحلية التي كانت ستترك شريكا أمنيا حيويا أقل قدرة على الدفاع عن المصالح المشتركة في اللحظة التي أثبتت فيها تلك القدرات أنها ضرورية”.
قطر.. مساهمات أبعد من مواجهة واحدة
وبيّن كاتب التقرير أن مساهمات قطر تمتد إلى ما هو أبعد من مواجهة واحدة، مشيرا إلى أن الدوحة عملت منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، كقناة خلفية لا غنى عنها لواشنطن في واحدة من أكثر مناطق العالم تقلبا”
وقال إن الدوحة وفرت لواشنطن قناة مفتوحة مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وامتصت التداعيات الدبلوماسية، وحققت نتائج لم يستطع أي وسيط آخر تحقيقها.
وفي منتدى الدوحة 2025، وصف مسؤول سياسي رفيع المستوى متحالف مع البيت الأبيض قطر بأنها “نوع الشريك الذي تحتاجه الولايات المتحدة حقا”، نظرا لأهمية دورها خاصة فيما يتعلق بالجانب الدبلوماسي.
البعد الاقتصادي للشراكة
وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي للشراكة القطرية – الأمريكية، أشار التقرير إلى أن هذه الشراكة لا تقل أهمية؛ فقد استوعبت قطر انخفاضا بنسبة 17% في قدرة الغاز الطبيعي المسال (LNG) نتيجة للاضطراب الإقليمي.
وأشار إلى أن الدوحة لم تتحوط ولم تفاوض على التزاماتها، بل بقيت في الميدان بتكلفة حقيقية على اقتصادها، لافتا إلى أن مزيج قطر من رأس المال السيادي واحتياطات الغاز الطبيعي الهائلة يضعها كلاعب محوري في المنافسة العالمية على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي – وهو قطاع مقيد بالفعل بالوصول إلى طاقة رخيصة وموثوقة.
وخلص التقرير إلى أن القيمة الاستراتيجية للعلاقة الأمريكية القطرية تزداد عمقا ولا تتقلص، وأن الأطراف التي تجادل بأن استعداد قطر للتواصل مع “أطراف معادية” يحرمها من صفة الشريك الموثوق، يعكس هذا الجدل سوء فهم أساس لكيفية عمل الدبلوماسية المستمرة وإدارة الدولة فعليا في الشرق الأوسط.
لطالما احتاجت واشنطن إلى محاورين قادرين على التنقل في تضاريس لا يستطيع المسؤولون الأمريكيون الوصول إليها مباشرة، وأكد التقرير أن قطر تملأ هذا الدور باتساق وفعالية لا يضاهيها إلا القليل.

