زخم دبلوماسي.. هل تلعب قطر دورا لوقف الحرب في اليمن؟

يبدو أن دولة قطر دخلت بشكل أكبر على خط إنهاء الحرب اليمنية المستمرة منذ 2014، بعد النجاح الأخير الذي حققته لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران في ملف تبادل السجناء.

واستقبلت العاصمة القطرية الدوحة خلال الأيام الأخيرة رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك والمبعوث الأممي لليمن هانس غروندبرغ، حيث جرى بحث تطورات الأزمة اليمنية وسبل التوصل لحل سياسي ينهي الحرب.

وجاءت زيارات المسؤولين المعنيين بأزمة اليمن بعد أسابيع من نجاح الدوحة في رعاية اتفاق لتبادل السجناء بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما وصفه محللون بالنجاح الدبلوماسي الكبير لدولة قطر.

كما تأتي هذه الزيارات بعد أيام قليلة من تأكيد سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني وكبار المسؤولين القطريين مواصلة العمل على تفكيك النزاعات وحلها عبر الحوار تجنبا لمزيد من العنف.

وكان سمو الأمير قد أكد خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي تضامن دولة قطر الكامل مع اليمنيين ودعوتها لحل النزاع عبر الحوار، وقال إن المفاوضات أقل كلفة من الحروب مهما تطلبت من وقت وجهد.

وشهد الدبلوماسية القطرية زخما ملحوظا خلال الفترة الماضية حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية ماجد الأنصاري وجود تحركات في الوقت الراهن لتحقيق تفاهمات في أزمة رواندا ولبنان وأفغانستان.

وقد أكد المسؤولون القطريون استعدادهم الكامل للقيام بأي جهد من شأنه تخفيف الاحتقان وإنهاء النزاعات التي جلبت الكثير من الدمار في العديد من دول ومناطق العالم.

 

زيارات بعد هجوم حوثي مفاجئ

وتأتي زيارة رئيس الوزراء اليمني والمبعوث الأممي إلى الدوحة بعد أيام من هجوم شنه الحوثيون على قوة الدفاع البحرينية المتواجدة جنوب السعودية ما أدى لمقتل 4 من أفرادها.

ومثل الهجوم المفاجئ خرقا كبيرا ومفاجئا لحالة الهدوء التي يعيشها اليمن منذ عام تقريبا فضلا عن أنه انتهك الهدنة التي يحاول اللاعبون الدوليون والإقليميون تثبيتها وتحويلها لاتفاق سياسي دائم.

وأعاد الهجوم مخاوف اندلاع القتال مجددا في وقت يحاول فيه الوسطاء المضي قدما في مفاوضات السلام، وقد لقي إدانات خليجية ودولية.

وتزامنت مباحثات المبعوث الأممي للدوحة مع زيارة أجراها رئيس الوزراء اليمني معين عبد الملك للدوحة مطلع الشهر الجاري وبحث خلالها رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تطورات الأوضاع في اليمن.

ووفقا لوزارة الخارجية القطرية فقد جدد الشيخ محمد بن عبد الرحمن لعبد الملك قناعة قطر بأن الحل الوحيد للأزمة اليمنية سيكون عبر التفاوض بين اليمنيين على أساس مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وقرارات مجلس الأمن وخصوصا القرار رقم 2216.

كما أكد وقوف دولة قطر الدائم إلى جانب اليمن ودعمها المتواصل لشعبه الشقيق حتى يحقق تطلعاته في الأمن والاستقرار والتنمية.

وبعد اللقاء، كتب الشيخ محمد بن عبد الرحمن على حسابه الرسمي في موقع “X”: “خلال لقائي مع معالي الدكتور معين الملك رئيس وزراء اليمن، تطرقنا إلى تطورات الأوضاع في المنطقة وجددت دعم دولة قطر الدائم إلى جانب الشعب اليمني الشقيق”.

وأضاف “سعدت باللقاء وأتطلع إلى المزيد من التقدم في علاقاتنا الوطيدة بما يخدم مصالحنا المشتركة والأمن والاستقرار لليمن وللمنطقة”.

وقد أكد عبد الملك في حوار مع “العربي الجديد” (2 أكتوبر 2023)، على “أهمية دور قطر في إطار مجلس التعاون الخليجي، الذي يشكل حمايةً وسياجاً لليمن، وكذلك دورها المهم في المنطقة”.

وكان رئيس الوزراء القطري، قد استقبل في 29 أغسطس الماضي، وزير خارجية اليمن أحمد بن مبارك، وناقش معه إمكانية تفعيل اللجنة الوزارية المشتركة المجمدة منذ 11 عاما، وتفعيل آليات التشاور السياسي ومنح تسهيلات لليمنيين المقيمين في قطر.

 

دعم قطري

وقالت وكالة سبأ اليمنية إن اللقاء تناول العديد من جوانب التعاون المستقبلي، لا سيما في الجوانب الاقتصادية والتنموية، والدور المعول على دولة قطر لدعم جهود الحكومة لتحقيق الاستقرار الخدمي والاقتصادي.

وأوضحت الوكالة أن عبد الملك اطلع رئيس الوزراء القطري على اخر مستجدات الأوضاع على الساحة الوطنية، والإصلاحات التي تنفذها الحكومة، للحفاظ على استقرار الاقتصاد وتخفيف المعاناة الإنسانية.

وتطرق عبد الملك -بحسب الوكالة- الى مستجدات جهود السلام ورؤية الحكومة بشأن الاستحقاقات الموضوعية لتحقيق السلام الشامل والمستدام الذي يضمن استعادة مؤسسات الدولة ويمنع تجدد جولات الحرب والدمار.

وأشاد رئيس الوزراء اليمني بمواقف دولة قطر الثابتة في دعمها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة والشعب اليمني وحرصها على تحقيق السلام وانهاء الازمة اليمنية بما يؤدي الى السلام العادل والمستدام.

وبعد أيام من هذا اللقاء، قالت الأمم المتحدة في بيان إن غروندبرغ بحثت مع وزيرة الدولة للتعاون الدولي لولوة الخاطر مطلع أكتوبر الجاري تطورات الأزمة اليمنية ومحاولات استئناف العملية السياسية لإنهاء الحرب.

كما أجرى المبعوث الأممي مباحثات مع مسؤولين قطريين آخرين أهمية تعزيز الدعم الإقليمي والدولي لجهود الوساطة الأممية في اليمن، وفق البيان.

وتناولت اللقاءات التقدم المحرز لدعم الأطراف للاتفاق على تدابير لتحسين الظروف المعيشية في اليمن، وعلى الالتزام بتنفيذ وقف إطلاق للنار بجميع أنحاء البلاد، واستئناف عملية سياسية جامعة تحت رعاية الأمم المتحدة.

ونقل البيان عن غروندبرغ قوله: إنه “في حين أن حل النزاع يجب أن يتم التفاوض عليه من قبل اليمنيين، فإن زيادة التلاحم الإقليمي تعطي بلا شك أملا أكبر في التوصل إلى حل للوضع في اليمن”.

وأضاف: “ستؤدي المنطقة دورا كبيرا في مرافقة اليمن على طريق السلام، فضلا عن إعادة الإعمار والتعافي”.

ورحب غروندبرغ بتأييد ودعم سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، للحل السياسي في اليمن وذلك خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي.

 

بايدن يهاتف سمو الأمير

بعد يومين من مباحثات غروندبرغ، أجرى الرئيس الأمريكي جو بايدن (الاثنين 3 أكتوبر 2023٩ اتصالا هاتفيا بسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد، قدم خلاله شكره مجددا على الجهود التي بذلتها الدوحة لإتمام اتفاق تبادل السجاء بين الولايات المتحدة وإيران.

كما بحث بايدن مع سمو الأمير تطورات المنطقة والعالم وتبادل مع وجهات النظر بشأن عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك، وفق ما أكدته الخارجية القطرية.

ويضع بايدن إنهاء حرب اليمن نصب عينيه التزاما بوعد انتخابي قطعه خلال حملته الرئاسية السابقة، فضلا عن أنه يحاول الإبقاء على الالتزام الأمريكي بأمن دول الخليج وخصوصا المملكة العربية السعودية.

وبالنظر إلى النفوذ الكبير الذي تملكه إيران على الحوثيين الذين يسيطرون على غالبية الشمال اليمني بما في ذلك العاصمة صنعاء، فضلا عن الإمدادات العسكرية التي تقدمها لهم، فإن كثيرون ينظرون إلى طهران كفاعل رئيسي يمكنه دفع الحوثيين نحو السلام.

ووفقا لوكالة الأنباء القطرية فقد أكد سمو الأمير للرئيس الأمريكي إيمان قطر بأهمية الحوار كسبيل وحيد لحل الخلافات السياسية وإرساء السلام، وقال إن بلاده ستواصل جهودها من أجل فض النزاعات.

كما جدد سموه “التزام قطر بدورها كوسيط دولي موثوق لا تحده حدود إقليمية، بل يمتد للمساهمة في جهود إرساء السلام عالمياً”.

 

قطر.. مكان لبناء الجسور

وأواخر الشهر الماضي، قالت وكالة بلومبيرغ إن العلاقات القطرية الأمريكية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة خصوصا بعد مونديال كرة القدم الذي استضافته الدوحة أواخر العام الماضي، مشيرة إلى أن الدوحة باتت المكان المفضل الذي تقصده واشنطن عندما تريد بناء جسور مع الأطراف الأكثر صعوبة.

ونقلت الوكالة عن مصدر أن العلاقات بين واشنطن والدوحة تحسنت بشكل كبير في ظل إدارة جو بايدن، خصوصا بعد وساطتها الأخيرة التي أفضت لاتفاق تبادل الأسرى بين الولايات المتحدة وإيران والتي عززت أهمية الدوحة الدولية.

وأشارت الوكالة إلى وصول السجناء الأمريكيين الذين أفرجت عنهم إيران مؤخرا إلى الدوحة على متن طائرة قطرية حيث كان في استقبالهم مسؤولون قطريون وأمريكيون.

كما أشارت إلى أن الدوحة فتحت قبل ذلك أبوابها أمام الأفغان الذين تم إجلاؤهم عندما استعادت طالبان السيطرة قبل عامين، ولا تزال قطر مكانا تقصده الولايات المتحدة لبناء الجسور في منطقة محفوفة بالتحديات.

ونقلت بلومبيرغ عن الأستاذ المساعد في جامعة الكويت والزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، بدر السيف، قوله إن الدوحة “أصبحت شريكا مفضلا للولايات المتحدة بسبب موثوقيتها واتساقها واستعدادها لوضع ثقلها على المحك”.

وبالنسبة للأمريكيين، فإن الدوحة تعتبر حليفا حيويا، ويُنظر إليها على أنها مكان للتعامل مع الدول الأكثر صعوبة، حيث يمكنها التواصل مع كل من إيران وطالبان، بحسب الوكالة.

ورغم الحضور الكبير لسلطنة عمان في الملف اليمني، إلا أن دخول قطر على خط الوساطة يتماشى مع ما حققته من إنجازات دبلوماسية خلال الفترة الأخيرة، سيما وأنها تمتلك علاقات قوية مع الطرفين المؤثرين في الأزمة، السعودية وإيران.

وفي حين يمثل فقدان الثقة بين الأطراف سببا رئيسا في إطالة أمد الأزمة فإن الموثوقية التي باتت قطر تحظى بها لدى الفرقاء ربما تمنحها مزيدا من القدرة على تحقيق خرق في جدار الأزمة اليمنية.

 

فرصة سانحة

مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية قال في تحليل يوم 29 سبتمبر 2023، أن الدوحة أمامها فرصة كبيرة لتوسيع نفوذها الجيوسياسي من خلال التوسط لحل النزاعات بعدما تمكنت من التوسط بين العدوين اللدودين، أمريكا وإيران.

كما أن جهود الوساطة القطرية المستمرة في لبنان وليبيا وتشاد وفنزويلا وفلسطين تضعها في موقعٍ دبلوماسي وازن وتوسِّع نفوذها الجيوسياسي.

مع ذلك، يرى المجلس أنه لا تزال أمام قطر طرق يمكن أن تسلكها من أجل تعزيز هذه الجهود وزيادة نفوذها ومكانتها على الساحة الدولية.

ولطالما شكّلت الوساطة ركيزة سياسة قطر الخارجية، وهي إستراتيجية رئيسة تكتسب من خلالها البلاد مكانة كبيرة ضمن النظام الدولي، مع أخذ الحذر في رهاناتها والحفاظ على علاقات مع مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة، وهو ما جعل الدوحة طرفا لا غنى عنه بالنسبة إلى واشنطن كوسيط مع مختلف الدول والأطراف غير الحكومية ومن ضمنها إيران وطالبان.

وأكد المجلس أن قطر تمتلك حاليا فرصة لتوسيع جهودها الدبلوماسية. وقد يشمل ذلك إعادة ضبط إستراتيجيتها لزيادة تأثير سياستها الخارجية إلى الحد الأقصى وتقليل تكاليفها، وتعزيز سمعتها الحيادية وتوجيه جهودها بحسب الدروس المستفادة من الماضي.

وأضاف “في سياق التقارب بين القوى الإقليمية الرئيسة، أي المملكة العربية السعودية وإيران، أمام قطر الفرصة للبناء على الزخم الإقليمي الأوسع، خصوصا أن الضالعين السابقين في الصراعات المديدة في مناطق مثل اليمن يبحثون الآن عن حلول لها|.

ومن مصلحة قطر أيضا دعم التعافي الاقتصادي في مناطق الصراع. ففي كل من اليمن والعراق، تربط علاقات وثيقة بين قطر وفصائل سياسية يمكن توجيه انخراطها في جهود التهدئة الأخيرة من أجل تحقيق هذه الغاية.

وخلص مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية إلى أن التحركات الأخيرة تظهر أن الدوحة لا تزال قادرة على تحقيق ما يفوق حجمها من خلال التوسط في النزاعات وتخفيف التوترات في الشرق الأوسط وخارجه.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *