رغم صعوبة الموقف.. كيف أثبتت قطر أنها وسيط يمكن الاعتماد عليه؟

قادت دولة قطر مفاوضات قال مسؤولون غربيون إنها كانت دقيقة ومعقدة وصولا إلى أول اتفاق هدنة بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال بعد 47 يوما من الحرب التي يخشى كثيرون أن تتسع رقعتها ما لم تتوقف سريعا.

وكان التوصل لاتفاق يقضي بوقف ولو مؤقت للقتال يبدو صعبا بالنظر إلى تمسك كل طرف من الطرفين بمواقفه، وإصراره على عدم الانصياع لرغبة الآخر، لكن المفاوضين القطريين واصلوا العمل دون يأس.

وتمثل الهدنة التي أعلنت عنها الدوحة صباح اليوم الأربعاء خرقا مهما في جدار الحرب، التي يعتقد أنها ربما تتسع في ظل عمليات القتل والتدمير التي تمارسها إسرائيل، والتي تقول منظمات أممية وحقوقية إنها تمثل جرائم حرب وإبادة جماعية.

ومنذ اللحظة الأولى، قالت الولايات المتحدة إنها تعول على الدور القطري في إطلاق سراح المحتجزين المدنيين المتواجدين في غزة، في حين عملت قطر على ربط هذا الهدف بإقرار هدنة لإدخال المساعدات والوقود إلى الفلسطينيين المحاصرين في القطاع.

وخلال اتصالات هاتفية، أكد سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني للرئيس الأمريكي جو بايدن، ضرورة وقف الحرب وإدخال المساعدات بشكل عاجل، حتى يمكن التوصل لاتفاق بشأن المحتجزين. وهو الأمر نفسه الذي أكده أيضا رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بليكن مرارا.

فصل السياسي عن الدبلوماسي

ونجحت قطر خلال الأسابيع الماضية على فصل السياسي عن الدبلوماسي، وتعامل مع المفاوضات بحياد، كما قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، لصحيفة واشنطن بوست قبل أيام، لكنها في الوقت نفسه أكدت موقفها الثابت من إدانة العدوان ودعم حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية وإقامة دولته المستقلة.

وسبق لقطر تحقيق في العديد من الوساطات المهمة سواء فيما يتعلق برعاية المفاوضات بين الولايات المتحدة وحركة طالبان الأفغانية أو بين واشنطن وطهران فيما يتعلق بتبادل السجناء، لكن وساطتها الأخيرة بين إسرائيل وحركة حماس أكدت قدرتها على إيجاد مساحات للتفاهم بين أطراف ليست مستعدة لتقديم تنازلات.

وحافظت قطر بشكل كبير على تفاصيل المفاوضات ورفض مسؤولوها الإفصاح عما يمكن أن يحول دون التوصل لاتفاق، وهو سلوك يؤكد أن الأمور لم تكن سهلة أبدا.

ورغم صعوبة الموقف على الأرض وتصاعد حدة المعارك بين المعارك وجيش الاحتلال إلا أن الدول الغربية كانت تبدو واثقة من قدرة القطريين على تحقيق الهدف في النهاية.

وفي أكثر من مؤتمر صحفي وتصريح، قال منسق الأمن القومي في البيت الأبيض جون كيربي، إن القطريين يؤدون دورا مهما وجيدا في المفاوضات.

 

أفضل مكان للتفاوض

ففي 20 نوفمبر الجاري، قال موقع “نيويوركر” الأمريكي إن الدوحة أصبحت المكان الأفضل في العالم للتفاوض من أجل الرهائن، مشيرا إلى أنها كانت وسيطا مفيدا جدا مع حركة حماس خلال الأيام الأخيرة.

ونقل الموقع عن دبلوماسيين غربيين عملوا لسنوات في مفاوضات الرهائن أن قطر أصبحت أكثر فائدة في المشهد الجيوسياسي الحالي بعدما قدمت نفسها كوسيط محايد في الشرق الأوسط.

وقال كريستوفر أوليري، المدير السابق لعملية استعادة الرهائن في الولايات المتحدة إن المسؤولين الأمريكيين يصفون دور قطر بأنه لا غنى عنه لأنهم “وسطاء استثنائيون، ولديهم دوافع كبيرة ومستعدون للغاية للمساعدة في حل النزاعات”.

وفي حين أن الاتفاق قصير من حيث المدة ومحدود من حيث نطاقه ويمكن أن ينهار في أي لحظة، إلا أنه يمثل إنجازا مهما للرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي واجه ضغوطا في الداخل والخارج من أجل وقف الحرب الإسرائيلية المدمرة، كما تقول صحيفة “فاينينشال تايمز” البريطانية.

لقد انحاز بادين لإسرائيل منذ اللحظة الأولى وزودها بالمال والعتاد وحرك 3 حاملات طائرات للمنطقة من أجل ردع أطراف قال إنها ربما تنخرط في المعركة، إيران وحزب الله، بل وزار إسرائيل هو وكبار مسؤولي إدارته للتأكيد على دعم هدفها المتمثل في القضاء على حماس بشكل كامل.

مع ذلك، وجد الرئيس الأمريكي نفسه مجبرا على التعاطي مع الأزمة من باب الدبلوماسية بعدما أثبتت له أسابيع الحرب أن تحرير الرهائن -بينهم 10 أمريكيين- لن يتم إلا عبر التفاوض.

وعندما نجحت قطر في استعادة سيدتين أمريكيتين كانتا لدى حماس، بدأت الغرب كله يعول على دورها في استعادة رعاياه المتواجدين في غزة، بينما كانت قطر تعول على وقف الحرب ولو مرحليا.

وقد أكد الشيخ محمد بن عبد الرحمن أن بلاده تأمل في أن يكون الاتفاق الذي تم التوصل إليه بداية جادة لعملية سلام شاملة ودائمة.

 

 

 

بايدن في اختبار صعب

لقد اتصل بايدن بسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد أل ثاني خلال أسبوع وزار وزير خارجيته أنتوني بلينكن الدوحة، وتبعه كبير مستشاري البيت الأبيض للشرق الأوسط بريت ماكغورك، ومدير جهاز الاستخبارات المركزية ويليام بيرنز، من أجل التوصل لاتفاق ينقذ شعبيته التي تراجعت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق (40% وفق وسائل الإعلام الأمريكية) بسبب موقفه من الحرب.

ووفقا لفاينينشال تايمز، فقد أنفق بايدن قدرا كبيرا من رأس المال الدبلوماسي والسياسي في الأسابيع الأخيرة للتوصل للاتفاق، الذي وصفه أحد كبار المسؤولين الأمريكيين بأنه عملية “مؤلمة للغاية”.

وترى الصحيفة أن الاتفاق ربما يمثل نقطة تحول في تعامل بايدن من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في حال صمد تم بنجاح، أو أنه سيثير عاصفة أكبر من الانتقادات داخليا وعالميا لتعامل الرئيس الأمريكي مع الصراع.

ولا تتعامل الولايات المتحدة مباشرة مع حركة حماس (المصنفة إرهابية) وبالتالي فهي تنيب الدوحة في هذه المسألة وهو ما يعكس حجم الدور القطري وأهميته في لحظة شديدة الخطر لكافة الأطراف.

تستضيف الدوحة مكتبا سياسا لحركة حماس ويعيش فيها عدد من كبار قادة الحركة السياسيين، وقد دعمت سكان غزة بنحو مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية لتخفيف وطأة الحصار المفروض عليهم منذ عام 2007، والذي تخلله عدة حروب مدمرة.

هذا البعد السياسي والدبلوماسي يجعل قطر الطرف الأكثر قدرة على التفاوض مع حماس نيابة عن الولايات التي صنفت الدوحة قبل عام حليفا استراتيجيا من خارج حلف شمال الأطلسي (ناتو).

وفي حين تقدر تكلفة إعادة إعمار ما دمره عدوان 2014 بـ6 مليارات دولار، فإن تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب الحالية -حتى يوم إعلان الهدنة- يفوق هذا الرقم بكثير، وفق ما نشرته واشنطن بوست اليوم الأربعاء.

ويمكن لقطر تقديم الكثير في ما يتعلق بإعادة الإعمار، وهذه ورقة أخرى تجعلها قادرة على تحقيق مزيد من النقاط عند حماس.

ووجه بايدن، الشكر لقادة قطر ومصر على “قيادتهم الحاسمة وشراكتهم” في التوصل إلى الاتفاق. وأضاف: “اتفاق اليوم يجب أن يعيد المزيد من الرهائن الأمريكيين إلى الوطن، ولن أتوقف حتى يتم إطلاق سراحهم جميعا”.

وقال المسؤول الأمريكي الكبير لـ”فاينينشال تايمز” إن بايدن شارك شخصيا في المفاوضات حيث تم تبادل المحادثات والمقترحات الصعبة للغاية ذهابا وإيابا.

وشملت النقاط الشائكة الرئيسية، حسب الصحيفة البريطانية “الممرات، والمراقبة، والأطر الزمنية، والأعداد الإجمالية” بالإضافة إلى قائمة الرهائن و”المعلومات التعريفية الخاصة بهم”.

وقال المسؤول إن بايدن أبلغ الشيخ تميم بن حمد خلال اتصال يوم 12 نوفمبر الجاري، بأن ما تم التوصل إليه ليس كافيا، مشيرا إلى أن سمو الأمير “أكد أنه سيبذل ما في وسعه لإتمام الصفقة”.

وأكد المسؤول أن حماس أعلنت قبولها الصفقة بعد اتصال بايدن بسمو الأمير بوقت قصير جدا، وقال إن البيت الأبيض يأمل الآن في تمديد الاتفاق ليشمل إطلاق سراح رهائن إضافيين ووقف أطول للقتال.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *