بعد تبادل السجناء.. هل تحقق قطر تقدما في مفاوضات الاتفاق النووي المتعثرة؟

نجحت دولة قطر في تحقيق تقدم هو الأهم بين الولايات المتحدة وإيران منذ وصول الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض مطلع 2021 على الأقل، وذلك بتوسطها في اتفاق تبادل سجناء بين الجانبين، ربما يكون مقدمة لتفاهمات أوسع.

اتسمت العلاقات الأمريكية الإيرانية بالتعقيد الكبير منذ وصول بايدن إلى السلطة، ورغم أن نبرة التهديد التي كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قد تراجعت بشدة، إلا أن تقدما في الملفات العالقة بين البلدين لم يحدث رغم كثرة المفاوضات.

هذه المرة، نجحت الدوحة بعد عامين وأكثر من المفاوضات غير المباشرة في إتمام اتفاق تم بموجبه الإفراج عن خمسة سجناء إيرانيين و6 مليارات دولار من أموال طهران المجمدة، مقابل إطلاق سراح خمسة سجناء يحملون الجنسية الأمريكية.

الرئيس الأمريكي أعرب عن شكره لسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ولسلطان عمان هيثم بن طارق، على الجهود التي قاما بها من أجل تنفيذ الاتفاق.

كما أعرب وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عن تقديره العميق للجهود التي قامت بها الدوحة طوال الفترة وصولا إلى هذه النتيجة التي لاقت إشادة كبيرة.

 

انتصار لمبدأ الحوار

رغم التأكيد الأمريكي على أن الاتفاق الأخير لا يعني وجود تقارب في وجهات النظر الأمريكية الإيرانية في ملفات أخرى مثل الاتفاق النووي أو نهج إيران في المنطقة، إلا أنه يؤكد قدرة الدبلوماسية على إيجاد أبواب ولو ضيقة لحل الخلاقات عبر الحوار.

رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أعرب عن أمل الدوحة في أن يفضي هذا الاتفاق لمزيد من التفاهمات بين الجانبين.

فيما قال وزير الدولة بوزارة الخارجية محمد بن عبد العزيز الخليفي إن دولة قطر تأمل في يكون الاتفاق مقدمة لتفاهمات أكبر بشأن قضايا أخرى أهمها الملف النووي الإيراني.

لم يكن الأمر سهلا بكل تأكيد، لكنه لم يكن مستحيلا في ظل العلاقة المتميزة التي نجحت قطر في نسجها مع العدوين اللدودين بحيث وضع كل واحد مهما ثقته فيها وليس في الطرف الآخر.

لطالما كانت أزمة الثقة المتبادلة أساسا في الخلاف الأمريكي الإيراني، وهي أزمة لم تتغير كما هو واضح من تصريحات الجانبين، لكنها انتحت جانبا خلال هذا الاتفاق في ظل وجود وسيط موثوق من الطرفين، هو قطر.

أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت الدكتور عبد الله الشايجي، قال إن الدوحة أدت دورا مهما ونجحت بالخروج بمعادلةالكل رابح، وكسبت ود الخصمين اللدودين.

وخلال مداخلة مع قناة الجزيرة، قال الشايجي إن قطر أثبتت مرارا أنها لاعب مؤثر يحظى بقبول الأطراف الإقليمية والدولية، مشيرا إلى إتمام الصفقة بطائرة قطرية، وإلى الإشراف القطري على طريقة صرف الأموال الإيرانية التي وصلت الدوحة.

لعل أبرز مخرجات هذا الاتفاق هو تأكيد عدم صوابية النظرية التي تحاول دولة الاحتلال تثبيتها في الذهنية الأمريكية والعربية والتي تقوم على أن الحرب هي أداة التفاهم الوحيدة مع إيران، ولا شيء غيرها.

المتحدث باسم الخارجية القطرية الدكتور ماجد الأنصاري، قال في مداخلة مع قناة الجزيرة إن الوصول إلى هذا الاتفاق يعكس الدور القيادي لدولة قطر، وثقة الأطراف في قطر باعتبارها وسيطا محايدا وشريكا دوليا موثوقا به في هذا المجال، وتنفيذ هذا الاتفاق يمثل نجاحا جديدا لسياسة دولة قطر الخارجية.

 

إيمان قطري بالحوار

في حديث مع وكالة الأنباء القطرية، يوم تنفيذ الاتفاق، قال السفير مطلق القحطاني إن قطر اكتسبت ثقة الأطراف في حل النزاعات لأسباب كثيرة في مقدمتها أنها لا تفرض نفسها على أي نزاع، وتتعامل بحياد وشفافية وسرية تحترم خصوصية وثقافة ومواقف كل طرف من أطراف الخلاف.

تتعامل الدوحة مع الحوار لإنهاء الأزمات كأداة أساسية لترسيخ الأمن والسلم العالميين، وتعتقد كما يقول مسؤولوها أن كلفة الحوار تظل قليلة جدا مهما طال أمد التفاوض، مقارنة بكلفة الحرب وتداعياتها على الجميع.

من هذا المنطلق، سجلت دبلوماسية قطر خلال السنوات الماضية نجاحات مهمة في مسارات متعددة وقضايا مختلفة ومعقدة وكبيرة، سواء على مستوى المنطقة أو العالم.

كان النجاح الأبرز لمبدأ الحوار الذي تعمل قطر بدأب على ترسيخه هو قدرتها على التعامل مع الأزمة الخليجية التي استمرت قرابة أربع سنوات، وانتهت بمصالحة جعلت الخلاف كله من الماضي وفتحت باب التفاهم واسعا بين كل الأطراف.

وخارجيا، توسطت قطر في اتفاق تاريخي بين الولايات المتحدة وحركة طالبان عام 2020 انسحبت بموجبه القوات الأجنبية من أفغانستان بعد عشرين عاما من الاحتلال، وهي تعمل حاليا على تقريب وجهات بين طالبان والمجتمع الدولي لإخراج البلد من أزماته الغارق فيها بسبب أربعة عقود من الحروب المتتالية.

إلى جانب ذلك، تدخلت قطر بصبر شديد لحل نزاعات مسلحة في الصومال ومالي والسودان، وما تزال تلعب دورا كبيرا في تثبيت وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة في قطاع غزة وجيش الاحتلال.

 

تمهيد لقضايا أكبر

صحيفة واشنطن بوست، علقت على الاتفاق الأخير، بالقول إنه بمثابة خطوة صغيرة قد تؤدي لمناقشة قضايا أعمق، بما في ذلك الاتفاق النووي المعلق.

ونقلت الصحيفة عن محللين أن إيران وبعد سنوات من التوترات المتصاعدة مع الولايات المتحدة، ربما رأت في عملية تبادل السجناء فرصة أخيرة لتأمين الوصول إلى أموالها المجمدة، ولو بشكل محدود، في وقت يتعثر فيه اقتصادها بعد سنوات من العقوبات الدولية.

وفي تقرير لمديرة مكتبها في باكستان وأفغانستان سوزانا جورج، قالت الصحيفة إن ثمة بعض الأمل في أن تفتح هذه الصفقة الباب أمام مناقشة قضايا أكثر جوهرية؛ مثل: العودة إلى الاتفاق النووي، رغم الضبابية وعدم اليقين بشأن الرئيس الأمريكي المقبل.

كما نقلت عن محللين ومسؤولين قولهم، إن استعداد البلدين للاتفاق على صفقة المبادلة هذه، دليل على أنهما قررا أن التصعيد المستمر بينهما لن يخدم أيا منهما.

في الوقت الراهن، لا حديث عن مفاوضات بشأن إحياء الاتفاق النووي الذي سبق وأن أكدت قطر على أهميته لأمن المنطقة واستقرارها بما لا يتيح أي استخدام عسكري للطاقة.

في يونيو 2022، استضافت قطر جولة مفاوضات غير مباشرة بين الأمريكيين والإيرانيين من أجل تقريب وجهات النظر لكنها لم تفض إلى تقدم كغيرها من الجولات التي جرت فيينا أو مسقط خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

مع ذلك، فإن الاتفاق الأخير – بحسب مونت كارلو- قد يمهد الطريق أمام تقليل الاحتقان بين الخصمين وفي المنطقة عموما خصوصا وأنه تزامن مع زيارة وفد حوثي للرياض لبحث وقف الحرب الدائرة منذ 8 سنوات.

لكن مسؤولا كبير بالإدارة الأمريكية قال إن اتفاق تبادل السجناء لن يغير علاقة العداء بين واشنطن وطهران، لكن الباب لا يزال مفتوحا أمام الطرق الدبلوماسية بخصوص البرنامج النووي الإيراني.

وفي تصريحات للصحفيين يوم الأحد، قال مسؤولون كبار في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إن واشنطن ستواصل الضغط على طهران من خلال فرض عقوبات جديدة على وزارة الاستخبارات الإيرانية والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لضلوعهما في احتجاز مواطنين أمريكيين.

كما زادت الولايات المتحدة من وضعية الحظر في المنطقة لمنع إرسال أسلحة إيرانية إلى اليمن.

ونقلت رويترز عن المسؤول الكبير في الإدارة الأمريكية قوله “إذا رأينا فرصة فسوف نبحثها، لكن في الوقت الحالي ليس لدي ما أتحدث عنه“.

ونفى المسؤولون عقد أي لقاءات مع المسؤولين الإيرانيين على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة المعنقدة حاليا في نيويورك بحضور الرئيسين الأمريكي والإيراني.

وبعد توليه منصبه في يناير كانون الثاني 2021، حاول بايدن إحياء الاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015 والذي قيدت بموجبه طهران برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات التي كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تفرضها عليها آنذاك.

وتراجع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن هذا الاتفاق في عام 2018، قائلا إنه كان سخيا للغاية مع طهران وأعاد فرض عقوبات اقتصادية أمريكية كبيرة على إيران.

وبدا أن الجهود المبذولة لإحياء هذا الاتفاق قد باءت بالفشل قبل عام تقريبا، عندما قال دبلوماسيون في يوليو من العام الماضي إن إيران رفضت ما وصفه وسطاء في الاتحاد الأوروبي بأنه عرضهم الأخير.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *