كشف صحيفة الغارديان البريطانية ما يتعرض له المدنيون المجوعون في قطاع غزة خلال توجههم إلى مراكز المساعدات الأمريكية التابعة لما تسمى “مؤسسة غزة الإنسانية GHF“.
وسلط تقرير الصحيفة على تحوّل مراكز المساعدات الأمريكية الإسرائيلية في قطاع غزة إلى “مصائد موت”، مبينا أن هذه المراكز تفتح أبوابها لمدة لا تتجاوز الـ 11 دقيقة بحد أقصى أمام آلاف المدنيين الذين يبحثون عمّا يعيلهم وعائلاتهم.
أكدت الصحيفة أن هذا النهج الذي تتبعه المؤسسة يتسبب في حالة كبيرة من الفوضى، وهو الأمر الذي تقابله قوات الاحتلال الإسرائيلي التي تحيط بالمكان بإطلاق مكثف للنار، ما أدى إلى استشهاد عشرات الفلسطينيين منذ بدء اتباع هذه الآلية.
ووثقت الصحيفة البريطانية على لسان عيد جمال وهو أحد شهود العيان من غزة، استشهاد 3 فتية بجانبه خلال محاولته الحصول على كيس دقيق، مؤكدا أنه عاد خالي الوفاض بسبب إطلاق النار المكثف من الاحتلال.
ووثق جمال في مقطع فيديو نشره، مشهد الرصاص وهو يمرّ فوق رؤوسهم. ويقول جمال عن جولاته شبه اليومية إلى الموقع: “لقد طهرنا قلوبنا من الخوف. أحتاج إلى إحضار الطعام لأطفالي حتى لا يموتوا جوعا”.
مناطق بعيدة مُخلَية
وأقامت “مؤسسة غزة الإنسانية” 4 مراكز في مناطق دمرها الاحتلال وأجبر سكانها على الإخلاء سابقا، وهي مناطق تل السلطان في رفح جنوبي قطاع غزة، ومدينة خان يونس، والحي السعودي في رفح، ومنطقة وادي غزة التي تعتبر جزءا من محور نيتساريم الذي تسيطر عليه القوات الإسرائيلية وسط القطاع.
وبيّنت الصحيفة أن الفلسطينيين يحتاجون للسير لمسافات طويلة جدا للوصول إلى مراكز المساعدات، فضلا عن إطلاق النار المتواصل من قبل آليات وجنود الاحتلال تجاههم.
ويؤكد جمال للصحيفة، أنه لا خيار أمامه سوى العودة إلى أقرب موقع تابع لمؤسسة GHF، رغم المخاطر. يقول: “ذهبتُ أربعة أيام متتالية ولم أحضر معي أي شيء، ولا حتى دقيقا – لا شيء على الإطلاق. أحيانا لا يمكنك التغلب على الآخرين. ولكن ماذا عسانا أن نفعل غير ذلك، حياتنا كفاح”.
ويعيش جمال في خيمه في منطقة مواصي خانيونس مع زوجته وأربعة أطفال، وهي إحدى المناطق القليلة التي لا يحتلها جيش الاحتلال في قطاع غزة، مما أدى إلى تكدس مئات الآلاف في مساحة جغرافية صغيرة.

نظام يفضّل الأقوى
وبحسب الصحيفة، فإن مؤسسة GHF تعلن عن فتح مراكز التوزيع من خلال منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أو تطبيقات التواصل مثل تليجرام وواتساب، مؤكدة أن الفترة الزمنية بين الإعلان عن وقت افتتاح الموقع والافتتاح نفسه انخفضت بشكل كبير في شهر يونيو الماضي.
بدوره أكد المواطن محمود العرعير، البالغ من العمر 27 عاما، والذي يسكن في خيمة غرب مدينة غزة، أن إعلانات مواعيد فتح موقع الإغاثة الذي يستخدمه – وادي غزة – أصبحت بلا جدوى، نظرا لبعده عن مكان سكنه.
وبدلا من انتظار الإعلان، يقوم محمود بالتوجه إلى أطراف الموقع في منتصف الليل ويراهن على فتحه الساعة الثانية صباحا، كما هو الحال في كل زيارة له حتى الآن.
وبعد الرحلة الطويلة التي يخوضها العرعير للوصول إلى مكان مركز المساعدات، تبدأ المرحلة الأخطر بحسب وصفه، ويقول: “تعلم دائما أنه قد يكون أنت من تُطلق عليه النار، أو قد يكون أحدٌ بجانبك. الفوضى تسود دائما عند فتح نقطة المساعدة، إذ يبدأ الناس بالركض نحو الطرود المتروكة في منتصف منطقة التوزيع. يتعثر الناس في الحفر والأسلاك المتشابكة”.
وبيّنت الصحيفة أن الاحتلال الإسرائيلي ومؤسسة GHF يتبعون نظاما مجحفا في توزيع المساعدات، وأن النظام يفضل “الأقوى”، حيث أن الرجال غالبا هم من يسلكون الطرق الطويلة، وينتظرون لساعات، ويندفعون إلى المساعدات المتروكة وسط إطلاق نار وتحليق مكثف من طيران الاحتلال.
اعتراف أمريكي
وأمس الأربعاء، نشرت القناة 12 الإسرائيلية اعترافا من عنصر أمن أمريكي عمل سابقا في توزيع المساعدات مع مؤسسة GHF، والتي أكد فيها حجم التجاوزات والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون.
وأكد أن حراس الأمن الأمريكيين أطلقوا النار على الفلسطينيين المنتظرين للمساعدات، مؤكدا أنه ترك العمل بسبب هذه السلوكيات.
كما أكد أن الجنود في تلك المراكز يعاملون سكان القطاع بشكل سيئ، ويعرضون حياتهم للخطر. وقال إنه لم يرَ طوال سنوات خدمته في الجيش الأميركي استخداما للقوة بشكل مفرط على هذا النحو الذي شاهده ضد مدنيين عزل في غزة.
وبيّن أن مراكز المساعدات الأمريكية أُقيمت بعيدا عن المناطق المأهولة ما يضطر سكان القطاع لحمل طرود ثقيلة مشيا على الأقدام وسط مناطق القتال.
اعتراف إسرائيلي
وفي وقت سابق، أقر الجيش الإسرائيلي، بتعرض مدنيين فلسطينيين للأذى بمراكز توزيع المساعدات في قطاع غزة، قائلا إن تعليمات جديدة صدرت للقوات بناء على “الدروس المستفادة”.
وبدأت المؤسسة الأمريكية التي يطلق عليها “مؤسسة غزة الإنسانية” توزيع الطرود الغذائية بطريقة وصفتها الأمم المتحدة بأنها “غير محايدة” في نهاية مايو الماضي.
ويتولى متعاقدون أمنيون أميركيون وشركات خاصة مهمة تنظيم الحشود وتوزيع المساعدات، ولم يُعلن على وجه التحديد أي مصدر لتمويل هذه العمليات.

تحذيرات أممية
وكانت الأمم المتحدة قد رفضت الانخراط في هذه الآلية منذ البداية، وقالت إنها تفتقر للنزاهة والحياد. كما انتقدتها بشدة المفوضية العامة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) ووصفتها بالنظام المهين لتوزيع المساعدات، ومصيدة للموت.
كما اعتبرت منظمات دولية الخميس الماضي، أن ما تسمى “مؤسسة غزة الإنسانية” جزء من حملة الإبادة الجماعية التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وذلك بعد أن تحولت مراكز توزيع المساعدات إلى مصائد للموت وفق تصريحات لمؤسسات فلسطينية وأممية.
وبلغ عدد شهداء لقمة العيش، الذين استشهدوا خلال توجههم إلى مراكز المساعدات الأمريكية، 1,026 شهيدا، وأكثر من 6,563 إصابة.
وسجلت مستشفيات قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الماضية 10 حالات وفيات جديدة بسبب المجاعة وسوء التغذية في القطاع، ليرتفع العدد الإجمالي بوفيات المجاعة وسوء التغذية منذ بداية العدوان على القطاع إلى 111 حالة.
وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة الأربعاء، عن تسجيل 45 حالة شلل رخو حاد خلال شهري يونيو ويوليو 2025، في ارتفاع غير مسبوق لمثل هذه الحالات.
وقالت الوزارة في بيان صحفي، إنه ومع انعدام القدرة على التشخيص فإن هذه الحالات قد تكون حالات شلل أطفال أو حالات متلازمة غيلان باريه.
وتعود هذه الزيادة بحسب الوزارة، إلى الظروف البيئية، والصحية الكارثية، التي يعيشها سكان قطاع غزة، والتي تشمل: تلوث المياه، انهيار خدمات الصرف الصحي، وتراكم النفايات، وانتشار الأمراض المعدية، إلى جانب سوء التغذية وضعف المناعة.
وبحسب التقرير الإحصائي الأخير للوزارة، فقد ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 59,106 شهداء، و142,511 إصابة منذ السابع من أكتوبر العام 2023.
وأشارت الوزارة، إلى أن العديد من الضحايا لا يزالون تحت الركام وفي الطرقات، حيث تعجز طواقم الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم حتى اللحظة.


