“التعليم فوق الجميع” تبني الأمل في غزة: قصة إنقاذ مستقبل 90 ألف طالب ثانوية عامة

عدد المستفيدين من مشروع "التعليم فوق الجميع" حوالي 90 الف طالب

لم يعد “التوجيهي” في قطاع غزة مجرد امتحان يُقاس به التحصيل الدراسي، بل صار اختبارا للقدرة على النجاة، فبين أنقاض المدارس وذاكرة الحرب الثقيلة، يجلس الطلبة في مقاعدهم وكأنهم ينتزعون حقهم في المستقبل من قلب الركام.

عامان من الانقطاع لم يكسرا إصرار هؤلاء الطلبة، بل أعادا تعريف معنى التعليم بوصفه فعل مقاومة يومي، وفي ظل دمار طال معظم البنية التعليمية وحرمان مئات الآلاف من الأطفال من الدراسة المنتظمة، يتحول هذا الامتحان إلى لحظة فاصلة: فإما الاستسلام لواقع فرضته الحرب، أو التمسك بخيط الأمل الأخير نحو حياة أكثر استقرارا وكرامة.

وتكشف أرقام منظمة “اليونسف” حجم الكارثة، إذ تعرض أكثر من 97% من مدارس القطاع للضرر أو التدمير، فيما تحتاج 91.8% من المرافق التعليمية إعادة بناء أو تأهيل شامل.

وهذا الواقع الكارثي الذي عصف في المؤسسات التعليمية، وانعكس على واقع الحياة التعليمية في قطاع غزة؛ خاصة ما يتعلق بطلبة الثانوية العامة كان محركا ودافعا لمؤسسة التعليم فوق الجميع، التي تعد واحدة من أكثر المؤسسات الإنسانية النشطة في عمليات التعليم في القطاع.

فجهود التعليم فوق الجميع لم تقتصر على دعم امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) وحدها، بل جاءت ضمن مسار أوسع انطلق منذ المرحلة الأولى من مشروع “إعادة بناء الأمل في غزة”، عبر إنشاء عشرات الخيام والمساحات التعليمية المؤقتة، لإتاحة بيئات أكثر أمانا لعودة الأطفال واليافعين إلى التعلم تدريجيا.

ومع اتساع الفجوة التعليمية، تطورت الاستجابة في مرحلتها الثانية لتتجاوز توفير المساحات البديلة، نحو دعم منهجي يضمن استمرارية التعليم الوطني، وذلك بالشراكة مع وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى جانب شركاء آخرين.

وشكل هذا التعاون تحولا نوعيا، حيث أصبح التدخل لا يقتصر على توفير بيئة آمنة، بل امتد لحماية المسار التعليمي الرسمي وتمكين طلبة الثانوية العامة من الاستعداد للامتحانات رغم قسوة الظروف.

وكانت منظمة  اليونيسف قد حذرت في يناير 2026 بأن ما يقارب من 700 ألف  طفل في غزة بحاجة ماسة للعودة إلى مقاعد الدراسة.

بيئة امتحانية وسط الركام

وانطلقت المرحلة الثانية من المشروع ” إعادة بناء الأمل في غزة” بدعم من صندوق قطر للتنمية، لتعبر عن امتداد جهود مؤسسة “التعليم فوق الجميع”  لتأمين استمرارية التعليم لنحو 90 ألف طالب وطالبة في المرحلة الثانوية، عبر تمكينهم من أداء امتحاناتهم إلكترونيا، ضمن خطة أوسع لحماية المسار الأكاديمي تحت القصف.

وشملت الجهود تجهيز 100 مساحة تعليمية متكاملة مزودة بخدمات الكهرباء والإنترنت، وإنشاء منصة اختبار رقمية آمنة، إلى جانب توفير 10 آلاف جهاز لوحي لتمكين الطلبة من الوصول للاختبارات.

كما جرى تقديم دعم أكاديمي لـ 30 ألف طالب وطالبة، بالتوازي مع خدمات الدعم النفسي والاجتماعي.

وقالت مديرة برنامج “الفاخورة” التابع لمؤسسة “التعليم فوق الجميع” العنود عطية “دعم طلبة التوجيهي في غزة لا يقتصر على مساعدة الطلاب على الجلوس للامتحانات، بل يهدف إلى حماية المسار التعليمي لجيل كامل في لحظة تهدد فيها الحرب بقطع الطريق بين المدرسة والجامعة.”

وبحلول مايو 2026، أنجزت المؤسسة إنشاء هذه المساحات التعليمية موزعة على 10 مواقع داخل القطاع، وتمكين أكثر من 60 ألف طالب من التقدم لامتحانات الثانوية منذ بداية العام، مع استعداد نحو 30 ألفا آخرين للتقديم في يونيو المقبل، ليصل إجمالي المستفيدين إلى 90 ألفا.

كما شملت الأعمال إنشاء وحدات مدرسية، وتركيب أسوار حماية، وتأمين الكهرباء عبر مولدات تخدم أيضا الأحياء المحيطة، ما وفر بيئة تعليمية آمنة وسط حرب منعتهم من التعليم.

وأكدت العطية أن هذه الاستجابة تجمع بين التدخل الطارئ والرؤية المستقبلية، فهو ليس حلا إسعافيا للاختبارات، إنما يضع قواعد أساسية لبنية تعليمية تدعم التعافي اللاحق واستعادة فرص التعلم.

حكايات تتحدى الواقع

وسط هذه الصورة، تبرز قصص إنسانية تعكس قوة الإرادة؛ فنور “18 عاما” وجدت نفسها نازحة في مخيم النصيرات مع بداية امتحاناتها، بعد أن فقدت منزلها وكتبها، لكنها أصرت على مواصلة الطريق.

ومحمد “18 عاما” يوازن بين مسؤولياته اليومية في تأمين احتياجات أسرته والدراسة في ظروف شح الوقود، حيث لم يعد  الهدوء  والدراسة من البديهيات  بل أصبح مرادا يحصل عليه الإنسان بشق الأنفس وتحول إلى رفاهية مفقودة، ليصبح التركيز في الدراسة مثالا للصمود اليومي.

أما أمل فقد خاضت امتحاناتها من داخل مركز إيواء يفتقر للكهرباء والإنترنت، لكنها نجحت في إتمام اختباراتها، وتسعى اليوم لتحقيق حلمها بدراسة التمريض.

ورغم هذه النماذج الملهمة، تظل الأرقام الأممية الصادرة في مارس 2026 مؤشرا على حجم التحدي، مع استمرار مئات الآلاف من الأطفال خارج التعليم الحضوري، في ظل دمار واسع للبنية التعليمية وخسائر بشرية أثرت بعمق على الطلبة والمعلمين، مهددة مستقبل جيل بأكمله في القطاع.

بناء للأمل

وفي شهر مايو 2025 وقعت مؤسسة التعليم فوق الجميع، وبدعم من شريكها الاستراتيجي صندوق قطر للتنمية، وبالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي في دولة فلسطين، اتفاقية مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لضمان استمرارية التعليم لـ90 ألف طالب وطالبة في المرحلة الثانوية بقطاع غزة، من خلال إدارة امتحانات الثانوية العامة إلكترونيا.

 ويمتد المشروع بحسب الاتفاقية خلال عامين، بواقع خمس دورات امتحانات استهدفت دفعتي الثانوية العامة لعامي 2024 و2025، وتتطور هذه المراكز إلى مراكز تعليمية رقمية طويلة الأمد بفضل خطة استدامة، مما سيعزز تعافي قطاع التعليم في غزة على المدى الطويل.

خطوات استثنائية

وفي ديسمبر 2023، أعلنت مؤسسة “التعليم فوق الجميع” عن خطوات استثنائية جديدة لمعالجة الأزمة الإنسانية الأليمة في قطاع غزة، من خلال مبادرة تهدف إلى دعم أكثر من 233 ألف طفل وشاب متضرر من الحرب، تحت عنوان “إعادة بناء الأمل في غزة”.

وضمت المبادرة مشاريع بقيمة 33 مليون ريال قطري، بشراكة استراتيجية مع عدد من الجهات منها صندوق قطر للتنمية والهلال الأحمر القطري، و”قطر الخيرية” والإدارة العامة للأوقاف، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) وصندوق الأمم المتحدة للسكان، ومؤسسة “إنقاذ الطفل” وجامعة العلوم والتكنولوجيا بالدوحة.

وشملت المبادرة مشاريع أساسية، هي:

  • تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال والمراهقين غير الملحقين بالمدارس والمتأثرين بالأزمة بالتعاون مع اليونيسيف، وذلك لخدمة 51 ألف مستفيد.
  • توفير دعم نفسي أوّلي، ومساحة تعليمية مهمة للأطفال النازحين خارج التعليم والمتأثرين من تصاعد العنف في غزة.
  • توزيع مجموعة تجهيزات ومستلزمات فصل الشتاء، والأدوات الترفيهية، وأنشطة الدعم النفسي والاجتماعي والترفيهي ليستفيد منها 14 ألف طفل.
  • توفير منح دراسية للأطفال والشباب الفلسطيني من خلال برنامج “قطر للمنح الدراسية” والاستفادة من الشراكة مع الجامعات والمدارس المحلية، ويستفيد منها 100 طفل وشاب فلسطيني.

المصدر: الجزيرة نت

الرابط المختصر: https://msheireb.co/b6t

اشترك في قائمتنا البريدية

أخبار قطر بين يديك.. اشترك الآن وستصلك ملخصاتنا الإخبارية أولا بأول