لم يكن اسم سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مرتبطا فقط بقيادة قطر وهندسة صعودها، بل ارتبط أيضا -في نظر العديد من الصحف ومراكز الأبحاث الغربية- بمشروع سياسي واقتصادي وإعلامي متكامل أعاد تعريف مكانة الدولة الخليجية على خريطة النفوذ الدولي.
ومع رحيله، تستعيد الصحف الأمريكية والبريطانية مسيرة قائد قاد واحدة من أكثر تجارب التحول إثارة للاهتمام في الشرق الأوسط، بعدما نجح في نقل قطر من دولة تعتمد بصورة رئيسة على مواردها الطبيعية إلى فاعل مؤثر في ملفات الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية والإعلام العالمي.
مؤسس قطر الحديثة
وصفت تقارير غربية عديدة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بأنه “مؤسس قطر الحديثة”، باعتبار أن معظم التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية ارتبطت برؤيته السياسية والاقتصادية منذ توليه الحكم عام 1995.
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن سمو الأمير الوالد قاد عملية تحول واسعة عززت استقلالية القرار القطري ورسخت حضور الدوحة على الساحة الدولية، قبل أن يسلم السلطة إلى نجله سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، ليكمل هو الآخر استكمال النهضة الحضرية التي بدأها سمو الأمير الوالد.
نيويورك تايمز: سمو الأمير الوالد قاد عملية تحول واسعة عززت استقلالية القرار القطري ورسخت حضور الدوحة على الساحة الدولية
وترى الصحيفة أن الرهان الأكبر في مشروعه تمثل في الاستثمار المكثف بحقول الغاز الطبيعي، إذ تحولت قطر خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، ما انعكس بصورة مباشرة على معدلات النمو الاقتصادي ومستويات الدخل.
وبحسب التقديرات التي أوردتها الصحيفة، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد أضعافا عديدة خلال فترة حكمه، مدفوعا باستثمارات ضخمة في قطاع الطاقة وتطوير البنية التحتية المرتبطة بصناعة الغاز.
رهان الغاز الذي غيّر المعادلة
وفي قراءة نشرتها صحيفة “فايننشال تايمز”، اعتُبر قرار التوسع في استثمار احتياطات الغاز الضخمة في حقل الشمال أحد أكثر القرارات الاستراتيجية تأثيرا في تاريخ قطر الحديث.
فايننشال تايمز: سمو الأمير الوالد الشيخ حمد اتخذ مبكرا قرارا جريئا بالمضي في تطوير صناعة الغاز المسال رغم التحديات التقنية والمالية
وترى الصحيفة أن سمو الأمير الوالد الشيخ حمد اتخذ مبكرا قرارا جريئا بالمضي في تطوير صناعة الغاز المسال رغم التحديات التقنية والمالية آنذاك، وهو خيار أتاح للدوحة لاحقا التحول إلى لاعب رئيس في سوق الطاقة العالمية، وأسهم في بناء واحد من أكبر الصناديق السيادية في العالم عبر جهاز قطر للاستثمار.
ولم تقتصر نتائج هذا التحول على المؤشرات الاقتصادية، بل وفرت لقطر أدوات جديدة لتعزيز نفوذها السياسي والدبلوماسي خارج حدودها الجغرافية.
القوة الناعمة.. من الإعلام إلى الرياضة
إلى جانب الاقتصاد، أولى الأمير الوالد اهتماما خاصا ببناء منظومة متكاملة من أدوات القوة الناعمة.
ويبرز في هذا السياق إطلاق شبكة الجزيرة عام 1996، التي شكلت -وفق توصيف العديد من الصحف الغربية- نقطة تحول في المشهد الإعلامي العربي، بعدما قدمت مساحة أوسع للنقاش السياسي وكسرت أنماطا إعلامية كانت سائدة في المنطقة.
الاستثمارات في الجوانب الرياضية لم تكن اقتصادية فقط، بل شكلت جزءا من استراتيجية أوسع لتعزيز الحضور القطري في المراكز المالية والثقافية والرياضية العالمية
كما اتجهت الدوحة إلى توسيع استثماراتها الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار، الذي استحوذ على أصول وشركات عالمية بارزة في قطاعات العقارات والطاقة والمصارف والرياضة، من بينها متجر “هارودز” البريطاني ونادي “باريس سان جيرمان” الفرنسي.
وترى تقارير غربية أن هذه الاستثمارات لم تكن اقتصادية فقط، بل شكلت جزءا من استراتيجية أوسع لتعزيز الحضور القطري في المراكز المالية والثقافية والرياضية العالمية.
سياسة خارجية.. خارج المألوف
وفي المجال السياسي، تبنت قطر خلال عهد الشيخ حمد سياسة خارجية مختلفة عن النهج التقليدي السائد في المنطقة، قائمة على تنويع التحالفات وفتح قنوات التواصل مع أطراف متباينة ومتنافسة.
ويقول الباحث في شؤون الشرق الأوسط أندرياس كريغ إن رؤية سمو الأمير الوالد قامت على جعل قطر دولة قادرة على تحمل المخاطر السياسية المحسوبة من أجل حماية مصالحها وتعزيز نفوذها.
** الباحث في شؤون الشرق الأوسط أندرياس كريغ: رؤية سمو الأمير الوالد قامت على جعل قطر دولة قادرة على تحمل المخاطر السياسية المحسوبة من أجل حماية مصالحها وتعزيز نفوذها
ويرى مراقبون أن هذه المقاربة مكنت الدوحة من لعب أدوار وساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وأكسبتها حضورا دبلوماسيا يفوق حجمها الجغرافي والديموغرافي.
وخلال العقود الماضية، برزت قطر وسيطا في ملفات متعددة شملت لبنان والسودان وفلسطين وأفغانستان، وهو النهج الذي واصلته الدولة لاحقا في عهد سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
التعليم والثقافة والرياضة
كما ارتبطت مرحلة الشيخ حمد بمشاريع استراتيجية في مجالات التعليم والثقافة والرياضة.
فشهدت المدينة التعليمية توسعا ملحوظا باستقطاب جامعات ومؤسسات أكاديمية دولية، بينما تحولت الخطوط الجوية القطرية إلى واحدة من أبرز شركات الطيران العالمية، بالتوازي مع إنشاء مطار حمد الدولي الذي أصبح مركزا رئيسا لحركة النقل الجوي الدولية.
وفي المجال الرياضي، اعتبرت صحف غربية أن فوز قطر بحق استضافة كأس العالم 2022 مثل تتويجا لمسار طويل من الاستثمار في الرياضة كأداة للتأثير الدولي وتعزيز الصورة الذهنية للدولة.
الإندبندنت: استضافة البطولة كرست مكانة قطر باعتبارها مركزا دوليا قادرا على تنظيم أكبر الأحداث الرياضية العالمية
وذهبت صحيفة “الإندبندنت” إلى أن نجاح الدوحة في تنظيم البطولة رسخ مكانتها مركزا عالميا قادرا على استضافة أكبر الأحداث الرياضية الدولية.
انتقال السلطة وإرث مستمر
ومن أبرز المحطات التي استوقفت المراقبين إعلان سمو الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عام 2013 تخليه طوعا عن الحكم لصالح نجله الشيخ تميم، في خطوة اعتُبرت سابقة نادرة في المنطقة.
ورأت تحليلات غربية أن القرار عكس توجها مؤسسيا حكيما يهدف إلى ضمان انتقال سلس للسلطة واستمرار مشروع الدولة بعيدا عن الاضطرابات السياسية التي شهدتها المنطقة آنذاك.
وتكاد تتفق معظم القراءات الغربية على أن الإرث الأبرز للأمير الوالد يتمثل في نجاحه بتحويل قطر من دولة محدودة السكان والمساحة إلى قوة اقتصادية وإعلامية ودبلوماسية ذات تأثير عالمي.
باحثون غربيون: الإرث الأبرز للأمير الوالد يتمثل في نجاحه بتحويل قطر من دولة محدودة السكان والمساحة إلى قوة اقتصادية وإعلامية ودبلوماسية ذات تأثير عالمي
ويجمع باحثون على أن سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان المهندس الرئيس لنهضة قطر الحديثة، وصاحب الرؤية التي نقلت البلاد من هامش المشهد الإقليمي إلى أحد أبرز الفاعلين في السياسة الدولية عبر مزيج من الثروة والطموح والدبلوماسية والقوة الناعمة.

