كتب رئيس تحرير صحيفة العرب القطرية فالح بن حسين الهاجري
لحظات التحولات الكبرى والأزمات الإقليمية، تكشف حقيقة الدول وقدرتها على إدارة التحديات. فالأزمات لا تختبر القدرات العسكرية والاقتصادية فحسب، وإنما تختبر أيضا تماسك المجتمع، ووضوح الرؤية السياسية، وكفاءة المؤسسات.
وفي ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة التي تعيشها منطقة الخليج العربي بكل تفاصيلها، أكدت دولة قطر مرة أخرى أنها دولة تمتلك منظومة متكاملة من الاستعداد الأمني والوعي المجتمعي والرؤية السياسية المتزنة. ومن هذه الناحية، تتعامل دولة قطر مع التهديد بوصفه اختبارا شاملا لقدرة الدولة على حماية سيادتها، وضمان استقرارها الداخلي، وإدارة رسائلها السياسية والأمنية والإعلامية في آن واحد. وهو ما انعكس في لقاء سعادة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني وزير الداخلية وقائد قوة الأمن الداخلي (لخويا) على تلفزيون قطر، وفي مواقف القيادة القطرية الرشيدة التي شددت على أن أمن الوطن واستقراره يمثلان أولوية مطلقة.
وجميع التصريحات الرسمية الأخيرة للمسؤولين في الدولة أكدت أن الأوضاع الأمنية في دولة قطر مستقرة، وأن الجهات المعنية تتابع التطورات في إطار منظومة عمل متكاملة، مع عمل مركز القيادة الدفاعي الوطني على مدار الساعة، واستمرار الجاهزية الصحية والخدمية واللوجستية، وتوافر مخزونات استراتيجية في الغذاء والماء والدواء والمستلزمات الطبية.
كما شددت القيادة القطرية، في أكثر من مناسبة، على أن وحدة المجتمع وتكاتف مؤسسات الدولة هما أساس القدرة على تجاوز المحن، وهو المعنى نفسه الذي عبّر عنه سمو الأمير، سابقا بقوله: «.. وحدتنا الوطنية مصدر قوتنا». الجاهزية الدفاعية في الدولة ثمرة بناء تراكمي طويل.
المعنى الأعمق في الوضع القطري لا يكمن فقط في نجاح الدولة في احتواء آثار هذه الحرب، وتلك الاعتداءات، وإنما في أن هذا النجاح هو نتاج جهود كبيرة في التحصين الدفاعي الأمني والعسكري. فوزير الداخلية سعادة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني أوضح أن الاستعداد لهذه الظروف هو نتيجة عمل مستمر خلال السنوات الخمس الماضية، وأن مختلف الجهات في الدولة جرى توحيد جهودها تحت مظلة واحدة عبر خطط وتمارين واستراتيجيات هدفت إلى رفع الجاهزية وتوحيد الإجراءات.
كما بيّن أن مركز القيادة الوطني يمثل إحدى الركائز الأساسية في منظومة القيادة والسيطرة، ويعمل على مدار الساعة من خلال أنظمة متقدمة للرصد والتحليل وتبادل المعلومات، وأن غرفة العمليات تعاملت مع آلاف البلاغات ومئات المواقع المرتبطة بالشظايا خلال الفترة الأخيرة. وقد أثبتت الأحداث أن منظومة الدفاع الجوي في الدولة قادرة على التعامل مع تهديدات متعددة في وقت واحد، سواء كانت صواريخ باليستية أو طائرات مسيّرة.
تماسك القدرات الذاتية الداخلية نتاج عمل دولة مؤسسات تميّز الدور القطري في هذه الحرب، بأن الدولة لم تحصر مفهوم الأمن في الجانب العسكري وحده، وإنما تعاملت معه بوصفه مفهوما شاملا يمتد إلى الغذاء والماء والصحة والنقل والخدمات العامة وسير الحياة اليومية. فوزير الداخلية أكد أن لدى قطر مخزونا استراتيجيا غذائيا تم رفعه ليغطي الاحتياجات لمدة تصل إلى 18 شهرا، ومخزونا مائيا يكفي لعدة أشهر، إضافة إلى مخزون من الأدوية الأساسية لمدة 9 أشهر، ومخزونا من المستلزمات الطبية يكفي 12 شهرا.
كما شدد على أن الجهات المختصة تتابع المؤشرات البيئية، وتستمر في تشغيل خطط المواصلات والإجلاء والتعامل مع العالقين عبر المنافذ المختلفة. هذه المعطيات تمثل جزءا من فلسفة حكم ترى أن التحصين الداخلي الوطني هو من ضمان استمرارية صمود مجتمعي. ولذلك فإن التأكيد على أن الأسواق والمؤسسات الصحية تعمل بصورة طبيعية يكتسب أهمية في الطمأنة النفسية وتأكيدا على قدرة الدولة في حماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها.
وفي المعنى السياسي، فإن ترتيب أولويات الإنفاق لتعزيز الصمود، كما ورد في مداخلة سابقة لي في قراءة تصريحات معالي رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ينسجم مع هذا المنطق المؤسسي الذي يربط بين السياسة المالية والأمن الوطني والمرونة الاجتماعية.
وبهذه الحالة يمكن القول إن قطر قدمت في هذه المرحلة نموذجا للدولة التي تفكر بمنهج الاستمرارية؛ دولة تعرف أن الأمن الحقيقي هو القدرة على إبقاء المجتمع آمنا ومؤسسات الدولة فاعلة حتى في ذروة الخطر.
شرعية الموقف القطري بين رفض العدوان وحق الدفاع عن النفس من الناحية القانونية والسياسية، تبدو المعادلة القطرية واضحة في رفض العدوان، وكذلك السعي إلى احتواء التصعيد، والتمسك في الوقت نفسه بالحق المشروع في الدفاع عن السيادة وفق القانون الدولي. فالتصريحات الرسمية الصادرة عن المتحدث باسم وزارة الخارجية في الدولة أكدت أن الهجمات التي تعرضت لها الدولة تمثل تجاوزا واضحا للخطوط الحمراء واعتداء مباشرا على أراضيها ومنشآتها المدنية والحيوية، وأن دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها.
كما أكد الاجتماع الاستثنائي للمجلس الوزاري الخليجي إدانة الاعتداءات الإيرانية والتضامن مع الدول المتضررة، مع الاحتفاظ بحق الرد والدفاع عن النفس وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة. فأهم نقاط القوة في الموقف القطري والخليجي معا، بأنه ليس هناك تناقض بين ضبط النفس وامتلاك القدرة الدفاعية والحق في الرد المشروع عند الضرورة. ولعل أخطر ما في هذه الحرب هي محاولة بعض الأطراف جر المنطقة إلى معادلة أمنية صفرية يتوسع فيها التصعيد بهدف انهاك الأطراف المتصارعة، ولكن دولة قطر، بحكم خبرتها التاريخية وما راكمته من سمعة في الوساطة والحوار، تتعامل مع هذه الحرب من موقع الدولة التي تدفع نحو الخيارات السياسية بدون أن تكون عاجزة عن الرد، فقيمة القوة تكون في تحديد سقف قانوني وأخلاقي وسياسي لها، مما يجعلها أداة حمائية تدفع نحو خيارات أكثر فاعلية في المشهد الحالي. الدور الدبلوماسي والإعلامي القطري في إدارة الأزمة الأزمات في الوقت الراهن تدار من خلال الصورة العامة، وتثبيت الرواية الصحيحة، وكسب الثقة الإقليمية والدولية.
ولم تتحرك دولة قطر فقط من خلال أدواتها الأمنية والدفاعية، وإنما استخدمت شبكة علاقاتها السياسية ودورها الدبلوماسي المتزن. وأن الاتصالات المكثفة من قادة الدول ورؤساء الحكومات والمسؤولين الدوليين المتضامنين مع دولة قطر تعكس أن الدوحة تتمتع برصيد ثقة دولي كبير. وهذا ينسجم مع سجل قطر المعروف في الوساطة وتغليب الحلول الدبلوماسية ولغة العقل والعمل الإنساني، ومع مواقفها المعلنة الداعية إلى احتواء التصعيد وعدم جر المنطقة إلى مواجهة سيخسر الجميع فيها. ومن ناحية إعلامية والتي تكتسي أهمية كبيرة، فالإعلام في أوقات الأزمات هو عنصر من عناصر الأمن الوطني المعرفي.
وحين يكون الخطاب الإعلامي مهنيا وهادئا وموثوقا، فإنه يفند الشائعات ويمنع حالة الخوف والتهويل الخبري، ويُبقي الجمهور متصلا بالمعلومة الرسمية الصحيحة من خلال التحذيرات التي يتلقاها المواطن القطري، ومن خلال الأخبار التي تصله من مصادرها الشبكية الرصينة. وفي هذا السياق، فإن ما ذكرته في مداخلات سابقة لي في تلفزيون قطر وقناة الريان والعربية ينسجم مع هذا الدور الإعلامي الحيوي؛ من خلال شرح دلالات التضامن الدولي، وطمأنة الجمهور، وتأكيد أن الاستقرار هو نتيجة عمل مؤسسي قائم في دولة قطر، فالمعركة الحالية هي في كمية الوعي الاجتماعي، والثقة بين المواطن والدولة، والاعتماد على المصادر الموثوقة للخبر. تكشف هذه الأزمة، أن دولة قطر تواجه هذا التحدي بوصفه امتحانا شاملا للدولة؛ دفاعيا، ومؤسسيا، وسياسيا، وإعلاميا، ومجتمعيا. ومن هنا جاءت قوة الموقف القطري الحالي، باعتباره أظهر تكامل هذه المستويات كلها في آن معا. فهناك جاهزية دفاعية عالية، وبنية أمنية تعمل على مدار الساعة، ومؤسسات خدمية وصحية واقتصادية تواصل أداءها، وقيادة سياسية تدير الموقف بقدر بين الحزم والتبصر بمآلات الأزمة، فضلا عن وجود مجتمع متماسك يدرك أن الوعي والانضباط والاستجابة لتعليمات القيادة جزء من الأمن الوطني.
فالدوحة تبدو اليوم في نظر كثيرين، مثالا لدولة صغيرة في الجغرافيا، كبيرة في كفاءة الإدارة ووضوح الرؤية وصلابة الداخل. وفي عالم مضطرب، تبقى هذه المعادلة من أثمن عناصر القوة: وحدة وطنية راسخة، ومؤسسات مسؤولة عن حماية السيادة الوطنية، ودبلوماسية مرنة تعرف كيف تحمي الدولة من دون أن تفقدها صورتها الأخلاقية والسياسية التي يراها القريب والبعيد.

