دروس من مونديال قطر.. تجلية الحقائق

Mondial Qatar

حينَ تَسمقُ الإنجازات الماثلةُ أمام الأعين، يصبحُ الوقتُ مواتياً لتجليةِ الحقائق، لأنَّ الزَّمن الفائت كانَ زمنَ عملٍ متسارعٍ، وبناءٍ دؤوب حتى تكتمل الإِنجازات، وتهدأ وتيرة العمل، ويخفت صخبَ الحِراك البشري المتواصل، ويصمتُ هديرُ الآلات الذي شكَّل معزوفة عذبة خلال السنوات الماضية

أمَّا وقد برزَت الإِنجازات، فقد حانَ الوقتُ لتُجلى الحقائق، وتُفنَّدَ الأقاويل، ويُردُّ على الافتراءات التي طالت قطر منذ فوزها بتنظيم بطولة كأس العالم، مما عرَّضها “لحملة غير مسبوقة” حسب وصف سمو أمير البلاد الشيخ تميم بن حمد – حفظه الله ورعاه – وقد كان جلياً وواضحاً أنّ ظاهر الحملة الظالمةِ غير باطنها، وأنَّ افتراءاتها مردودٌ عليها بيدَ أن الوقتَ لم يكن مناسباً.

تابعتُ المؤتمرَ الصَّحفي لرئيس الفيفا (جياني إنفانتينو) قُبيل انطلاق البطولةِ بساعات، بدا لي هذا الرجلُ واضحَ العبارة، دقيق الطرح، جليَّ الرد، بليغ الخطاب، واثق النفس، صريح التفنيد للحقائق، شجاعاً لا يأبه بما سيأتيه من انتقاد، جريئاً لا يكترثُ بما يقوله الغربيون عنه، مقداماً لا يعنيه من يثير غضبه.

لقد تبع قول الفنان مارك توين: “عند قول الحقيقة ليس عليك أن تتذكر أي شيء” فقد كانت تعنيه تجلية الحقائق بالدرجة الأُولى، تلك الحقائق التي طالتها الافتراءات، وشابتها الأكاذيب، ولطَّختها المزاعم، وهي في منأى عنها.

كان لحديث رئيس الفيفا قيمته المهمة بل والضرورية قبل انطلاق بطولة كأس العالم 2022، فالرَّجلُ يرأسُ أكبر منظمة رياضية لها كلمتها النافذة يأتي محلُّها في الوسطِ بين دولةٍ تنظِّم بطولة كأس العالم وبين بقية الدول والاتحادات الأعضاء في المنظمة، فهو لا ينتمي في مقامه هذا لأحد إلا للمنظمة التي يرأسها، ولا يُحسَبُ على أحدٍ سوى لانتمائهِ لوظيفته في “الفيفا” وعلى ذلك فإن ردَّه على كل ما حُشِد من افتراءات ومزاعم ليس دفاعاً عن قطر وإنَّما دفاعاً عن الحقائق التي شُوِّهت وزوِّرت، بأباطيل وتزويقات وأغلاط تأتي من أمكنةٍ بعيدةٍ عن ميادين العمل، والإنجاز، لهذا كانت التلفيقات سهلة، والتزويرات يسيرة في ظلِّ إعلامٍ متحيِّزٍ، ونوايا خبيثة، وأغراضٍ تحوَّلت إلى أمراض..!

لقد أجلى (إنفانتينو) الحقائق، وفنَّدها واحدةً تلو أُخرى، بل إنَّه ذهبَ بعيداً وجريئاً في قوله الصريح: “على الأوروبيين أن يعتذروا للشعوب قبل إعطاء الدروس” وقد كانَ صادقاً، فالأوروبيون محمَّلون بتاريخٍ استعماري مستبدٍ العنصرية، متغطرس السياسات، لم يعتذروا عنه للشعوب والبلدان التي دمروا مقدراتها، ونهبوا ثرواتها، وأخَّروا تقدمها وحضارتها، ثم هُمُ اليوم يتصايحون بفوقية متكبِّرةٍ عن قضايا لا دخل لها في عالم الرياضة، التي سيَّسوها بالعقوبات الرياضية على الرياضيين الرُّوس بسبب الحرب الروسية الأُوكرانية، على عكسِ ما تنصُّ عليه المواثيق الرياضية، ثم ها هم اليوم يسيِّسونها بفرض مسالكهم المنحطَّة على دولةٍ عفيفةِ العرض، طاهرة الأرض، بُغْية نشر المفاسد والرذائل على نحوٍ واسعٍ، وإعلاءِ شعارات السفالة والانحطاط، وإكسابِ سقوطهم الأخلاقي مبرراً حقوقياً..!

يردُّ عليهم بثقافتهم حين كانت مستقيمة، يوم أن كانت الفطرة الإنسانية فيها نزيهة عن الانحراف، إذ كانت قوانينها وتشريعاتها تمنع الشُّذوذ والانحراف، أمَّا وقد انحدرت أخلاقياتها إلى مستنقع الغوايات والخزايا والسَّفالات فليس لها الحق في أن تفرضها على مجتمعاتٍ نزيهة الأخلاق، وثقافات ذات قيمٍ أصيلةٍ، وشعوب ذات مُثلٍ سويَّة كي تُبيحَ انتشار آفاتها ومسبَّاتها ومقابحها!

يردُّ عليهم بما يفعلونه هم باللاجئين الذين يموتون على شواطئهم، وأسوارهم، ومعسكراتهم التي لا تتوفر فيها أدنى الوسائل التي تحفظ الكرامة الإِنسانية، أما الإنسان فلا يعنيهم، فقد قتلوا بآلاتهم المدمّرةِ، وأسلحتهم الفتَّاكة ملايين البشر بذريعة (نصر) الديمقراطية والحقيقة هي (قهر) الشعوب، والحفاظ على مصالحهم، وترسيخ نظم الحكم التي توافقُ سياساتهم.

يردُّ عليهم بنفاقهم في حقوق الإنسان، فيذكر أن عدد الصحفيين في مؤتمره الصحفي يناهز الأربعمائة صحفي، في حين يتجاهلون فعاليات ذوي الاحتياجات الخاصة!!

يردُّ عليهم بأنَّ: “قطر دولة لها سيادة ولا تحتاج إلى نصائح أو تدخلات حول حقوق العمال” وأنَّ “على أوروبا أن توقف الانتقاد وتركز على تحسين أوضاع المهاجرين لديها”.

لقد كان الوقتُ مواتياً لتجلية الحقائق قبل صفارة البدءِ بيومٍ واحد، واحتفظت قطرُ برزانتها، وهيبة شخصيتها في عدمِ الدخول في المناكفات، فالأعمال والإنجازات والشواهد هي وحدها من يردُّ على كلِّ سليطِ لسانٍ، حاقدِ قلبٍ، بليدِ عقل، أمَّا من يُجلِّي الحقائق فهو الشاهدُ المنصفُ المنتَصِف الذي لا يُحسبُ قولهُ على أحدٍ عدا الحقيقة، ولقد كانَ الوقتُ ملائماً، والشاهدُ حازماً، والدليلُ قائماً.

تعلِّم قطر درساً هو أنك وإن كُنتَ تمتلكُ الحقائق، وتحوزُ الحق إِلا أنَّك يجب أن تختار الوقت الملائم لتجليتها، فالحقائقُ تحتاجُ إلى ما يعضدها، ولا يكونُ ذلك بغيرِ الأَعمال الجليَّةِ الظاهرة التي تدافعُ بنفسها عن الحقيقة بلسانٍ مبين تُلجمُ به أفواه الكائدين الحاقدين.

وتابع: “لنتوقف عن النفاق لأن الاتحاد الدولي لكرة القدم حقق في مجال حقوق العمال ما لم تحققه منظمات أخرى”.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *