كتب رئيس تحرير صحيفة الراية القطرية عبد الله طالب المري
تُقاس قوةُ الأمَم بصلابةِ مؤسساتِها، غيرَ أنَّ معيارها الأعمق يظلُ في متانة الأسرة، تلك النواة الأولى التي يتشكل فيها الوعي، وتُغرس القيم، ويترسَّخ الانتماء. وفي قلب هذه المَنظومة تتصدرُ الأمُّ موقعها بوصفها الركيزة الأرسخ في بناء الإنسان، والحاضنة الأولى للهوية، والمرجع الذي تتكوّن عبرَه ملامح الشخصية، وتتعمقُ من خلاله صلةُ الأبناء بثوابت مُجتمعهم الدينية والوطنية. فالبيوتُ المُستقرة ليست مجرد فضاءات للعَيْش، بل هي صانعةُ الهُويَّة وحارسة القيم، ومنها تنطلقُ الأجيال أكثر وعيًا واتزانًا، وأقدر على حمل مسؤولية الحاضر واستِشراف المُستقبل بثقة ورسوخ.
وإذا كنا نردد بفخر: «الأم مدرسةٌ إذا أعددَتها.. أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراق»، فإن هذا المعنى يكتسب اليومَ دلالة أكثر إلحاحًا في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المُتسارعة، وما تفرضُه الحياة الحديثة من ضغوط مهنية وأعباء مُتزايدة تستنزف حضور الأم التربوي، وتحدّ من دورها المحوري في التنشئة.
ومن هنا، فإن استعادة هذا الدور لم تعُد ترفًا اجتماعيًا أو حنينًا إلى الماضي، بل ضرورة وطنية واستثمارًا استراتيجيًا في بناء الإنسان وصون تماسُك المُجتمع.
إنَّ تمكين المرأة القطرية من أداء رسالتها بوصفها «مهندسة للأجيال» يقتضي إعادةَ صياغةِ العلاقة بين العمل والحياة الأسرية، من خلال سياساتٍ مرنةٍ تُوازن بين الالتزامات المِهنية والمسؤوليات التربوية، تشمل التوسع في العمل عن بُعد، وإعادة النظَر في ساعات الدَّوام بما يدعَم الرعاية الوالدية. فهذه التوجُّهات لا تمثل امتيازات وظيفية، بقدر ما تعكسُ وعيًا عميقًا، بأن استقرار الأسرة هو الأساس المتين لاستقرار المُجتمع، وأنَّ الاستثمار في الأم هو استثمار في مستقبل الوطن.
وفي زمنٍ تتداخل فيه التحديات المحلية مع المُتغيرات العالمية، تبقى الأسرة القطرية الركيزةَ الأعمق في بنية المُجتمع، والحصنَ الأول لصون القيم وترسيخ الهُويَّة الوطنية وضمان التماسُك والاستقرار. ومن هذا المُنطلق، لم يعُد الاهتمام بالأسرة خيارًا تنمويًا، بل نهجًا استراتيجيًا راسخًا يعكسُ رؤية شاملة تنطلقُ من الإنسان باعتباره غاية التنمية ووسيلتها، وتهدفُ إلى بناء مُجتمعٍ متماسكٍ قادرٍ على المُوازنة بين متطلبات الحداثة والحِفاظ على الثوابت القيَمية والدينية والوطنيَّة.
رؤية صاحب السمو
وقد تجلّت هذه الرؤيةُ بوضوح في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المُفدى، خلال افتتاح دور الانعقاد العادي الرابع والخمسين لمجلس الشورى في 21 أكتوبر من العام الماضي، حيث وضع سموه إطارًا فكريًا متكاملًا يضع الأسرة في قلب المشروع التنموي للدولة، مُؤكدًا أنَّ أي تنمية مُستدامة لا يمكن أن تتحقق دون أسرة مُستقرة، واعية، وقادرة على أداء دورها التربوي والاجتماعي. وقدّم سموه قراءة مُعمّقة للتحولات التي تشهدها المُجتمعات المُعاصرة، مشددًا على أهمية تحقيق التوازن بينَ الانفتاح على العالم والاستفادة من مُعطيات العصر، وبين الحفاظ على الهوية الوطنية والقيم الأصيلة، بما يعزز الاستقرار الأسري ويحفظ بنيته. كما دعا سمو الأمير (حفظه الله) إلى اضطلاع الوالدين بدورهما المُباشر في التربية، باعتبارهما الأساس الأول في تشكيل شخصية الأبناء وغرس القيم وتعزيز الانتماء.
تحركات مجلس الشورى
وانطلاقًا من هذه التوجيهات السامية، جاءت تحركات مجلس الشورى لتعكس التزامًا عمليًا بترجمتها إلى سياسات قابلة للتطبيق، حيث قدّمَ خلال جلسته الأسبوعية العادية الأسبوع الماضي اقتراحًا برغبة موجّهًا إلى الحكومة المُوقرة، تضمنُ حزمة متكاملة لتعزيز الرعاية الوالدية والتماسُك الأسري، في تأكيدٍ واضح على أنَّ قضايا الأسرة لا يمكن التعامل معها بصورة جزئية، بل تتطلب مُعالجةً شاملةً تمتدُ إلى التشريعات والسياسات الاجتماعية والتعليم والإعلام وسوق العمل.
وشملت هذه المُقترحاتُ إنشاءَ لجنة وطنية لتنسيق الجُهود وتطوير التشريعات ذات الصلة، إلى جانب تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا في ظل التحوُّلات الرقمية المُتسارعة، وتعزيز برامج التوعِيَة والدَّعم الأسري، مع اعتماد منهجيَّات علمية لرصد الظواهر الاجتماعية المؤثرة على النشء. كما ركزت التوصيات على إعادة التوازن بين العمل والحياة الأسريَّة، عبر سياسات مرنة تشمل التوسُّع في العمل عن بُعد، وإقرار ساعات عمل داعمةٍ للرعايةِ الوالديَّة، بما يُسهم في تعزيز استقرار الأسرة وتماسُكها.
خادمة لكل طفل
وتبرُز ظاهرة الاعتماد المُفرط على العمالة المَنزلية في تفاصيل التنشئة اليوميَّة للأطفال، في صورة أقرب إلى «اتكالٍ تربوي» يتسعُ داخل بعض الأسر. فقد غدا مألوفًا إسناد مهام التربية اليومية إلى الخادمات، بما يحمله ذلك من تحديَّات عميقة تمس اللغة والانتماء والهُوية الثقافية والدينية للطفل، حتى كأن الاتكال الأبوي قد سلّم «الخَيط والمَخيط» للخادمات.
ورغم أنَّ العمالة المنزلية قد تُسهم في توفير الرعاية الجسديَّة وتيسير شؤون الحياة، فإنها لا تستطيعُ أن تعوّض الدور العاطفي والتربوي الأصيل للوالدين، ولا أنْ تنقل منظومة القيم أو تُعزز الانتماء الحقيقي للأسرة والوطن. إنَّ تراجُع الحضور المُباشر للأب والأم في عملية التنشئة لا يقتصر أثرُه على اختلال التوازن التربوي، بل يمتدُّ ليؤثر في تشكيل شخصيَّة الطفل وصلته بجذوره الثقافيَّة. ومن هُنا، تغدو استعادة هذا الدور ضرورةً مُلحّة، تستوجب وعيًا أسريًا متجددًا يوازنُ بين متطلبات الحياة الحديثة، دون التفريط في جوهر المسؤولية التربوية المُباشرة.
ظاهرة الطلاق
في إطار مُواجهة التحديات الأسرية، ناقش مجلس الشورى في جلسته المُنعقدة بتاريخ 12 فبراير 2024 ارتفاعَ مُعدلات الطلاق، بوصفها قضية ذات تأثير مُباشر في استقرار الأسرة وتماسك المُجتمع. واستعرض المجلس تقرير اللجنة المُختصة حيثُ تَبَيَّن من خلاله أنَّ الظاهرة نتاج تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وسلوكية، إلى جانب ضعف الوعي الأسري، وتسارع إجراءات التقاضي، وغياب التنسيق المؤسَّسي، فضلًا عن نقص البيانات الدقيقة.
وانطلاقًا من ذلك، طرح المجلس حُزمة من التوصيات لمعالجة جذور المُشكلة، أبرزها تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية عبر لجنة وطنية، وإلزام المُقبلين على الزواج ببرامج تأهيلية ترفع الوعيَ بمُتطلبات الحياة الزوجية. كما شدّد على تفعيل دور الأخصائيين في مسارات الصُّلح، ومنح فرص كافية للإصلاح قبل إتمام الطلاق، وتنظيم إجراءات التسوية الأسريَّة بما يضمنُ كفاءتها.
وشملت التوصياتُ دعمَ التوازن بين العمل والحياة الأسريَّة، وتكثيف التوعية المُجتمعية، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة لرصد الظاهرة وتحليلها، بما يُسهم في صياغة سياساتٍ فاعلةٍ قائمةٍ على أسس علمية تعزز استقرار الأسرة.
الحوار المجتمعي
أصبحَ الحوارُ المَجتمعي ضرورة مُلحّة، يشاركُ فيه الجميع: الدَّولة، والمؤسسات التشريعية، والمُجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية والدينية، ووسائل الإعلام، إلى جانب الشباب والأسر أنفسهم.
فمُعالجة هذه التحديات لا يمكنُ أنْ تتم عبر قرارات إدارية أو تشريعية فقط، بل تحتاجُ إلى حوارٍ مُجتمعيٍ واسعٍ وصريحٍ، يعالجُ جذور المُشكلة، ويطرحُ حلولًا قابلة للتطبيق، ويأخذ في الاعتبار الخُصوصية الثقافية للمُجتمع القطري.
فارتفاعُ تكاليف الزواج -على سبيل المثال- لم يعد مُجرد مسألة اجتماعية، بل تحوَّل إلى عائقٍ اقتصاديٍ يحُد من قدرة الشباب على بناء أسر مُستقرة. كما أنَّ الطلاقَ المُبكر يتطلبُ برامج تأهيل قبل الزَّواج، وتعزيز مَهارات الحياة الزوجية، ونشر الوعي بمسؤوليات الحياة الأسرية.
مسؤولية وطنية
في الختام، تُواجهُ الأسرة القطرية مُعادلةً دقيقة تجمع بين متطلبات الحداثة والحفاظ على الأصالة، حيث يبقى الرِّهانُ الحقيقي على وعي الوالدين وتكاملهما في أداء هذا الدَّور الحيوي. فالمُجتمعُ المُتماسِك لا يُبنى على الرفاه المادي وحدَه، بل على أسُس تربوية راسخة تصنع أجيالًا واثقة، مُتجذرة في هُويتها، وقادرة على حمل مُستقبل الوطن بثبات ومسؤولية.
كما تعيشُ الأسرة القطرية اليومَ مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحديات مع الفُرص، وتفرض فيها المُتغيرات المُتسارعة ضرورة إعادة النظر في آليات الحماية والتعزيز، بما يُواكبُ حَجم التحوُّلات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.
ويبقى الرهانُ الحقيقيّ معقودًا على وعي المُجتمع وتكاتف مؤسساته وإيمانه الراسخ بأن الأسرة ليست مجردَ وحدة اجتماعية، بل هي الأساسُ الذي يقوم عليه بناء المُجتمع واستمراره واستقراره. ويظلُ الحِفاظ على الأسرة القطرية وتعزيز تماسُكها مسؤولية وطنية مُشتركة، تتكاملُ فيها الأدوار بين الدولة والمُجتمع، وبين التشريع والتربية، وبينَ البحث العلمي والتطبيق العَمَلي، بما يُسهم في بناء مُجتمعٍ مُتماسكٍ واعٍ مُحصّنٍ، قادر على مواجهة المُستقبل بثقة واستقرار، معتز بهويته وقيمه الراسخة.

