كتب رئيس تحرير صحيفة الراية القطرية عبد الله طالب المري
بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاءِ الله وقدرِه، راضيةٍ بحكمه وأمره، يلفّها الحزن العميق، وتثقلها مشاعر الفقد والوفاء، يودّع أهلُ قطر، والأمتان العربية والإسلامية، والعالم أجمع، فقيدَ الوطن الكبير، المغفور له، بإذن الله تعالى، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، القائد الاستثنائي الذي ارتبط اسمه بمرحلةٍ مُضيئةٍ من تاريخ قطر الحديث، وصاحب المسيرة التي حملت بشائر التحوّل والنهضة، وأرست دعائم الدولة العصريّة، ورسّخت حضورها ومكانتها إقليميًا ودوليًا.
رحل القائدُ الكبير، وبقي الأثر، وغاب الجسد، وظلت السيرة حاضرةً في وِجدان الوطن وذاكرة الأجيال. فقد كان، رحمه الله، رمزًا لمسيرة وطنية استثنائية، وقائدًا حمل مسؤولية البناء بعزيمة ورؤية، وكرّس سنوات عطائه لخدمة قطر وتعزيز مكانتها، فكانت إنجازاته شاهدةً على مرحلة تاريخية فارقة ستظل صفحاتها مُشرقة في سجل الوطن.
ولا يمكن للكلمات أن تحيطَ بحجم الحزن الذي يعتصر القلوب برحيله، كما لا يمكنها أن تختصرَ مشاعر الفخر والاعتزاز بما قدمه لوطنه والأمتين العربية والإسلامية. فقد عمل بإخلاص وتفانٍ، مؤمنًا بأن مكانة الدول تُصنع بالإرادة والرؤية والعمل، حتى غدا عطاؤه وإرثه الوطني شاهدين على قائد ترك بصمة عميقة في مسيرة قطر الحديثة.
الإرث الوطني
وسيظل الأمير الوالد، رحمه الله، باني قطر الحديثة وصاحب الإرث الوطني الراسخ الذي أسهم في ترسيخ مكانة الدولة بين الأمم، ووضع أسس نهضتها الشاملة، وأطلق مسيرة تنموية امتدت آثارها إلى مُختلِف مجالات الحياة. إرثٌ سيبقى مصدر فخر واعتزاز للأجيال القادمة، ودليلًا على أن القيادة الواعية قادرةٌ على صناعة التحوّلات الكبرى.
لقد رحل الرمز إلى رحاب الله، وبقيت مواقفه الوطنية النبيلة، وسيرته الحافلة بالعطاء والإنجاز، شاهدة على قائدٍ صنع مرحلة فارقة من تاريخ الدولة، وسطر اسمه في صفحات الوطن بحروف من نور. وسيظل الأمير الوالد حاضرًا في ضمير قطر، رمزًا للحكمة والرؤية، وعُنوانًا للعطاء والبناء، ومنارة تهتدي بها الأجيال في مسيرة المُستقبل.
لم يكن الأمير الوالد مجرد قائد تولّى مسؤولية الحكم خلال ثمانية عشر عامًا حفلت بالإنجازات والتحوّلات الكبرى، بل كان صاحب رؤية بعيدة المدى، استشرفت المستقبل، وآمنت بأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات، وإنما بالإرادة والتخطيط والعمل. فقد أدرك سموه أن المجد لا يُمنح، بل يُصنع، وأن النهضة لا تتحقق إلا بقيادة تمتلك وضوح الرؤية، وقوة العزيمة، والقدرة على تحويل الطموحات إلى واقعٍ ملموسٍ.
صياغة المستقبل
آمن سموه بأن قوة الدول لا تُقاس بمساحتها أو عدد سكّانها، وإنما بقدرتها على استثمار مقدراتها، وبناء الإنسان، وترسيخ المؤسسات القادرة على صناعة المستقبل. ومن هذا الإيمان انطلقت مسيرة وطنية شاملة أعادت رسم ملامح قطر الحديثة، وجعلت من التنمية مشروعًا متكاملًا يمس مُختلِف جوانب الحياة.
ومنذ انطلاق مسيرته القيادية، حمل الأمير الوالد راية البناء، ومضى بقطر نحو آفاق جديدة، فكان كل قرار خُطوة في طريق النهضة، وكل مشروع عنوانًا للطموح، وكل إنجاز شاهدًا على رؤية قائد أراد لوطنه أن يكون حاضرًا وفاعلًا في المشهد العالمي.
وقد جمعت هذه المسيرةُ بين أصالة الهُوية والانفتاح على العالم، وبين الحفاظ على الجذور ومواكبة العصر، لتصبح قطر نموذجًا لدولة استطاعت تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع، والرؤية إلى مشاريع تنموية غيّرت وجه الحياة.
أمجاد الأمم
كان الاقتصاد من الركائز الأساسية في مشروع النهضة الذي قاده الأمير الوالد، فقد أدرك أن الثروات الطبيعية لا تصنع وحدها قوة الأمم، وإنما تصنعها الرؤية التي تحسن استثمارها وتوظيفها لخدمة الإنسان والوطن.
ومن هذا المنطلق شهد قطاع الطاقة تحولًا تاريخيًا جعل من الغاز الطبيعي ركيزة استراتيجية للاقتصاد القطري، ورسّخ مكانة الدولة كإحدى أبرز القوى العالمية في صناعة الغاز المسال، لتصبح قطر مركزًا مؤثرًا في قطاع الطاقة الدولي.
وتجسدت هذه الرؤيةُ في مدينة رأس لفان الصناعية التي أصبحت رمزًا للصناعة الحديثة، وشاهدةً على قدرة قطر على تحويل مواردها إلى قوة اقتصادية ومكانة عالمية. ولم تكن النهضة الاقتصادية هدفًا منفصلًا، بل وسيلة لبناء دولة قوية تحقق التنمية والاستقرار والرفاه لأبنائها.
وامتدت مسيرةُ التطوير لتشمل بناء بنية تحتية حديثة تواكب طموحات الدولة الكبرى، فشهدت قطر تنفيذ مشاريع استراتيجية غيّرت ملامحها، من مطار حمد الدولي، إلى الموانئ الحديثة، وشبكات الطرق والنقل، ومدينة لوسيل، ومشروع مشيرب قلب الدوحة، وغيرها من المشاريع التي جسدت رُوح النهضة ورسخت صورة قطر الحديثة.
الإنسان هو الثروة
ورغم أهمية الإنجازات الاقتصادية والعمرانية، ظل الإنسان محور رؤية الأمير الوالد، إيمانًا بأن بناء الإنسان هو الأساس الحقيقي لبناء الأوطان. فقد كان يرى أن المعرفة والعلم هما الطريق نحو المستقبل، ولذلك وضع التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات النهضة الوطنيّة.
ومن هذا المنطلق انطلقت مسيرة تعليمية واسعة شملت إنشاء المدينة التعليمية، واستقطاب جامعات عالمية مرموقة، ودعم البحث العلمي، وتأسيس مؤسسات أكاديمية وبحثية عززت مكانة قطر كمركز للعلم والابتكار.
كما أولى سموه القطاعَ الصحي اهتمامًا كبيرًا، انطلاقًا من قناعته بأن صحة الإنسان أساس التنمية وركيزتها الأولى، فشهدت المنظومة الصحية تطورًا نوعيًا عبر التوسّع في المستشفيات والمراكز المتخصصة، وتطوير مؤسسة حمد الطبية، وإنشاء مؤسسات رائدة مثل مستشفى سبيتار ومشروع سدرة للطب والبحوث، لتصبح قطر نموذجًا مُتقدمًا في الرعاية الصحية.
الدبلوماسية والإعلام
وفي موازاة البناء الداخلي، نجح الأمير الوالد في صياغة هُوية دبلوماسية متفردة لدولة قطر، جعلت منها صوتًا للحوار، ومِنصةً للسلام، وجسرًا للتواصل بين الشعوب. فقد قامت سياستها الخارجية على التوازن والانفتاح وبناء جسور الثقة، فأصبحت الدوحة وجهة للمفاوضات، ومَيدانًا للحلول، وشريكًا فاعلًا في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي.
كان قائدًا يمتلك رؤية ثاقبة وإرادة صُلبة وقدرة استثنائية على استشراف المستقبل، حريصًا على أن يكون لدولة قطر حضور فاعل ومؤثر في محيطيها العربي والإقليمي، ومكانة راسخة على الساحة الدوليّة.
صورة الوطن
وقاد مشروعًا وطنيًا طموحًا أسهم في بناء دولة حديثة ومتطورة، حاضرة بقوة في مُختلِف المجالات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والثقافية والإعلامية، ورسّخ مكانة قطر لاعبًا مؤثرًا في القضايا الإقليمية والدولية، ليصبح هذا الإنجاز أحد أبرز ملامح إرثه السياسي والتاريخي الخالد. كما آمن سموه بأن قوة الدول في العصر الحديث لا تقوم على الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تمتد إلى امتلاك أدوات التأثير الحضاري وصناعة الوعي، وفي مقدمتها الإعلام والثقافة والمعرفة. ومن هذا المنطلق، أولى الأمير الوالد اهتمامًا استثنائيًا ببناء إعلام قطري حديث، يقوم على المهنية والانفتاح ومواكبة التحولات العالمية، إدراكًا منه بأن الإعلام ليس مجرد ناقلٍ للأحداث، بل هو شريكٌ في صناعة المستقبل، ونافذةٌ تعكس صورة الوطن، وصوتٌ يحمل رسالته إلى العالم.
وكان إطلاق شبكة الجزيرة عام 1996 محطةً فارقةً في تاريخ الإعلام العربي، ونقطة تحول كبرى أعادت رسم ملامح المشهد الإعلامي في المنطقة. فقد جاءت الجزيرة بفكرة جديدة ورؤية مختلفة، وأسست نموذجًا إعلاميًا ترك أثرًا واسعًا، وأصبح خلال سنوات قليلة أحد أبرز المنابر الإعلامية الدولية، بما امتلكته من انتشار وتأثير وقدرة على الوصول إلى مُختلِف أنحاء العالم.
وفي إطار هذه الرؤية الإصلاحية، شهد قطاع الإعلام في قطر تحولات تاريخية عززت مُناخ حرية الصحافة والانفتاح الإعلامي، حيث رُفعت الرقابة عن الصحافة المحلية، وأُلغيت وزارة الإعلام، في خُطوات جسدت إيمان سموه بأهمية استقلالية العمل الإعلامي، وضرورة توفير بيئة تسمح للإعلام بأداء دوره الوطني والمسؤول.
كما تأسست مؤسسات إعلامية وتنظيمية أسهمت في تطوير المنظومة الإعلامية، وتواصلت مسيرة التحديث لمواكبة الثورة الرقمية والتحولات التقنية، بما جعل الإعلام القطري حاضرًا في قلب التطورات العالمية، جامعًا بين المهنية والابتكار، وبين خدمة الوطن والانفتاح على العالم.
الثقافة والرياضة
وفي المجال الثقافي، حرص الأمير الوالد على أن تكون الثقافة جسرًا يصل الماضي بالحاضر، فشهدت قطر إنشاء مؤسسات وصروح ثقافية بارزة، من بينها الحي الثقافي كتارا، وهيئة متاحف قطر، ومتحف الفن الإسلامي، وإحياء سوق واقف، لتبقى الهُوية الوطنية حاضرةً في قلب النهضة.
كما أصبحت الرياضة إحدى بوابات قطر إلى العالم، فشهد القطاع الرياضي تطورًا غير مسبوق، وصولًا إلى الفوز التاريخي بحق استضافة بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، وهو إنجاز جسد ثمرة رؤية طويلة المدى، وأكد قدرة قطر على تحقيق أعظم الطموحات.
إن إرث الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، لا يُختزل في مشاريع أو أرقام، فالقادة الكبار يُقاس أثرهم بما يتركونه في قلوب شعوبهم، وبما يغرسونه من ثقة بالمستقبل. لقد ترك سموه وطنًا أكثر قوة، ومؤسسات أكثر رسوخًا، ومكانة أكثر حضورًا، وإرثًا سيظل شاهدًا على مرحلة مُضيئة من تاريخ قطر.
الأحلام تتحقق
وقد عاش الأمير الوالد، رحمه الله، ليرى ثمار الرؤية التي غرس بذورها، وتتحقق الأحلام التي حملها لوطنه، فقد شهد في عهد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المُفدى، امتداد مسيرة البناء والنهضة، ومواصلة طريق الإنجازات بخُطى ثابتة وراسخة، لترسّخ قطر مكانتها بين الأمم، وتواصل حضورها الفاعل إقليميًا ودوليًا.
ففي ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب السمو الأمير المُفدى، واصلت قطر مسيرتها المُضيئة نحو مزيدٍ من التقدم والازدهار، مستندة إلى إرثٍ راسخٍ ورؤيةٍ طموحةٍ جعلت من الإنسان محور التنمية، ومن الابتكار والمعرفة ركائز للمستقبل. كما عززت الدولة حضورها العالمي كصوتٍ للحكمة، ويدٍ للخير، وشريكٍ فاعل في دعم السلام والتنمية والاستقرار، حتى أصبحت نموذجًا في البناء والإنجاز، ومنارةً في العمل الإنساني والدبلوماسي، لتبقى كما عهدها العالم دائمًا كعبة المضيوم، وموطن العطاء الذي يمدّ جسور الأمل بين الشعوب.
عزائي لأهل قطر
وأتقدّم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرته الكبيرة، أهل قطر جميعًا، وعلى رأسهم سيدي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المُفدى، حفظه الله ورعاه.
ويبقى عزاؤنا الأكبر أن راية هذا الوطن الغالي ستظل مرفوعةً بهذا النهج المبارك، في ظل قيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المُفدى، حفظه الله ورعاه، الذي يواصل مسيرة البناء والنهضة بعزم واقتدار، ويحمل أمانة الوطن بكل حكمة وإخلاص، سائرًا على نهج الآباء المؤسسين، وخير خلف لخير سلف.
وفي الختام، أجدّد اعتزازي بحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حفظه الله، وما حققه من إنجازاتٍ منذ توليه مقاليد الحكم، وما بذله من جهود مُخلصة خلال فترة ولاية العهد في خدمة الوطن. فقد أثبت سموه أنه خير خلف لخير سلف، وواصل قيادة البلاد برؤية حكيمة ومسؤولية راسخة، مُحافظًا على أمنها واستقرارها، وماضيًا بها نحو مزيدٍ من التنمية والازدهار. نسأل الله أن يطيلَ عمره، وأن يحفظَه ذخرًا لقطر وأهلها.

