كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن وثيقة أمريكية جديدة تتضمن تصورا متكاملا لإدارة وإعادة إعمار قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وتقوم -بحسب ما ورد في التسريبات- على المضي في ترتيبات الإعمار والحكم المدني حتى في حال عدم التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في مؤشر على تحول محتمل في مقاربة واشنطن للملف الفلسطيني بعد أكثر من عامين من الحرب.
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية، الاثنين، أن الولايات المتحدة سلمت إسرائيل وثيقة رسمية تنتظر الحصول على موافقة خطية عليها، مشيرة إلى أن بنودها تعكس توجها أمريكيا يدفع نحو تثبيت مسار إعادة الإعمار وإيجاد بديل إداري لحكم حماس، بالتوازي مع تجنب العودة إلى العمليات العسكرية واسعة النطاق في القطاع.
ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الولايات المتحدة أو إسرائيل يؤكد صحة ما ورد في التقرير أو ينفيه، الأمر الذي يجعل المعلومات المتداولة في إطار التسريبات الإعلامية التي تستند إلى مصادر إسرائيلية.
إعادة الإعمار أولوية
وبحسب هيئة البث الإسرائيلية، تنص الوثيقة على حزمة واسعة من الإجراءات المدنية والإدارية، تشمل السماح بتنفيذ مشاريع بنية تحتية مرتبطة بقطاعي المياه والكهرباء ومرافق الخدمات الأساسية، إضافة إلى إعادة بناء المستشفى الأوروبي وإدخال مواد البناء والمعدات الطبية اللازمة لتشغيله.
كما تتحدث الوثيقة عن إنشاء مقر مركزي لحكومة تكنوقراط فلسطينية، ومنحها صلاحيات إدارية واسعة داخل القطاع، إلى جانب تسهيل حركة مسؤوليها داخل غزة وخارجها لأغراض رسمية، والسماح بإجراء المدفوعات الرقمية وتوزيع الوقود وتشغيل خدمات اتصالات الجيل الرابع (4G)، وهي خدمات ظلت مقيدة في القطاع خلال السنوات الماضية.
وتشير البنود المسرّبة كذلك إلى نقل عائدات الضرائب الفلسطينية الخاصة بقطاع غزة إلى هيئة تعرف باسم “مجلس السلام”، مع بدء التعامل مع حكومة التكنوقراط بوصفها جهة ذات صلاحيات سيادية في إدارة الشؤون المدنية للقطاع.
ترتيبات أمنية معقدة
وفي الجانب الأمني، تتحدث الوثيقة عن نشر قوة استقرار دولية تتولى الإشراف على الأمن العام بالتعاون مع “حرس مدني فلسطيني غير مسلح”، في محاولة للفصل بين الإدارة المدنية والملف العسكري.
وتنص الترتيبات المقترحة، وفق المصادر الإسرائيلية، على منح إسرائيل حق اتخاذ إجراءات أمنية تراها ضرورية إذا لم تلتزم حماس بمسار نزع السلاح، وهو ما يعكس محاولة أمريكية للجمع بين مطلب إسرائيل الأمني وبين الدفع نحو إطلاق عملية إعادة الإعمار دون انتظار تسوية نهائية لمسألة السلاح.
كما تتضمن الوثيقة بندا يتعلق بمنح عفو مشروط للأفراد الذين يسلمون أسلحتهم ويلتزمون بما وصفته بـ”مسار السلام”، في إطار جهود أوسع لتقليص النفوذ العسكري للفصائل المسلحة داخل القطاع.
دعم إقليمي وتحضيرات دولية
وفي سياق متصل، نقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” عن دبلوماسيين عرب قولهم إن مصر وافقت على استضافة برامج تدريب لعناصر الشرطة الفلسطينية المتوقع نشرها في غزة، بينما أبدت أربع دول استعدادها للمساهمة بقوات ضمن القوة الأمنية الدولية المقترحة.
وأوضحت الصحيفة أن تنفيذ هذه الترتيبات ما زال مرهونا بموافقات إسرائيلية رسمية، تشمل توقيع اتفاقيات قانونية وأمنية مع الدول المشاركة في القوة الدولية، وهي موافقات لم تُمنح حتى الآن.
كما من المقرر أن يجتمع ممثلو الهيئات المكلفة بإدارة وإعادة إعمار غزة في قبرص لمناقشة آليات تنفيذ المرحلة المقبلة، في إطار ترتيبات دولية يجري العمل عليها منذ أشهر.
خلفية الخطة
وتعود جذور هذه الترتيبات إلى الهياكل الانتقالية التي أعلن البيت الأبيض اعتمادها في يناير/كانون الثاني الماضي، وتشمل “مجلس السلام” و”مجلس غزة التنفيذي” و”اللجنة الوطنية لإدارة غزة” التي يُفترض أن تعمل بوصفها حكومة تكنوقراط، إضافة إلى قوة استقرار دولية.
وبحسب التقارير الإسرائيلية، تندرج الوثيقة الجديدة ضمن المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية الخاصة بإنهاء الحرب وإدارة مرحلة ما بعد النزاع في غزة، وهي الخطة التي تقول واشنطن إنها تستهدف إعادة بناء المؤسسات المدنية وتهيئة الظروف لإدارة فلسطينية جديدة تتولى شؤون القطاع.
عقبات سياسية
ورغم الحراك الدولي والإقليمي المحيط بالخطة، فإن فرص تنفيذها ما زالت تواجه تحديات سياسية وأمنية كبيرة. فصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أشارت إلى أن حكومة رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو تبدي ترددا متزايدا تجاه بعض الترتيبات المطروحة، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية، وهو ما قد يؤخر اتخاذ قرارات حاسمة بشأن مستقبل غزة.
كما أن مسألة سلاح حماس لا تزال تمثل نقطة الخلاف الرئيسة بين مختلف الأطراف، إذ تشير التسريبات إلى أن واشنطن باتت تركز على بناء بديل إداري وحوكمي للقطاع حتى في ظل غياب اتفاق نهائي بشأن نزع السلاح، بينما تصر إسرائيل تقليديا على ربط أي ترتيبات طويلة الأمد بتحقيق تغييرات جوهرية في الواقع الأمني.
وفي ظل غياب تأكيدات رسمية من الأطراف المعنية، تبقى الوثيقة المسربة مؤشرا على اتجاهات النقاش الدائر بشأن مستقبل غزة أكثر من كونها اتفاقا نهائيا نافذا، بينما يظل مصير هذه المقترحات مرتبطا بمدى قدرة الأطراف الدولية والإقليمية على تجاوز التعقيدات السياسية والأمنية التي ما زالت تحيط بمرحلة ما بعد الحرب.
المصدر/ الصحافة الإسرائيلية

