مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.. الوجه الخفي لارتفاع الحرارة واستنزاف المياه

Artificial Intelligence Data Centers.. The hidden face of high temperatures and water depletion
ترفع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الحرارة، وسط توقعات باستنزافها مياها عذبة تعادل استهلاك 1.3 مليار إنسان.

لم تعد آثار موجات الحر القياسية التي تضرب القارة الأوروبية مقتصرة على قطاعات المناخ والزراعة التقليدية؛ إذ بلغت التداعيات حدا دفع دولا عدة إلى إغلاق مفاعلاتها النووية مؤقتا للتكيف مع وطأة الإجهاد الحراري، والتخلي قسرا عن مصادر طاقتها النظيفة.

وفي التوقيت ذاته، التقطت الأقمار الاصطناعية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) مؤشرات مقلقة لتشكل بقع ساخنة جديدة ومرتفعة الحرارة على كوكب الأرض، لتشير أصابع الاتهام والدراسات الحديثة مباشرة إلى مراكز البيانات الضخمة التي تديرها شركات الذكاء الاصطناعي.

وهذه ليست المرة الأولى التي يثور فيها الجدل حول الكلفة البيئية للثورة الرقمية الحالية، غير أن المعطيات الأخيرة تنقل النقاش إلى مستوى أكثر خطورة.

فبعد أن ساد التركيز سابقا حول الطاقة المستهلكة في عمليات التبريد والتشغيل، تكشف الأبحاث اليوم عن تداعيات ملموسة ومباشرة على المحيط الجغرافي لهذه المراكز، وهي الظاهرة التي وصفها باحثو جامعة كامبريدج بـ “الجزر الحرارية الرقمية”.

وتظهر القياسات أن هذه المنشآت قادرة على رفع درجة حرارة الأرض المحيطة بها بمعدل يتراوح بين 0.3 و9.1 درجة مئوية، في نطاق تأثير يمتد بوضوح إلى مسافة تصل لقرابة عشرة كيلومترات.

خوادم الذكاء الاصطناعي ترفع درجة حرارة الأرض بتسع درجات مئوية حول موقعها

ورغم أن هذه الظاهرة تنشأ بشكل مستقل عن التغيرات المناخية الموسمية في أوروبا، إلا أنها تتقاطع معها بشكل حرج، لا سيما في وقت تتسابق فيه العواصم الأوروبية لتوطين مراكز البيانات الكبرى وتوسيع بنيتها التحتية الرقمية لاستيعاب الطفرة التكنولوجية.

وأمام هذه التطورات، يبدو المستخدم العادي معزولا عن الواقع البيئي للخدمة؛ إذ يتعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي بوصفها تقنيات “مجانية” وبلا كلفة ملموسة، في حين بدأت بصمتها البيئية تترك ندوبا على الكوكب قد يصعب علاجها مستقبلا.

الأرض تسخن حول الآلة

توثق دراسة مشتركة قادتها جامعة كامبريدج بالتعاون مع جامعة نانيانغ التكنولوجية، التأثير المباشر واللحظي الذي تفرضه مراكز البيانات على بيئتها المحلية.

واستندت الدراسة (المنشورة في أبريل 2026) إلى رصد حراري دقيق لسطح الأرض امتد لعقدين كاملين (بين عامي 2004 و2024) اعتمادا على بيانات قمر “ناسا” الاصطناعي، ومطابقتها إحداثيا مع مواقع أكثر من 11 ألف مركز بيانات حول العالم، شملت 6733 مركزا شيدت خارج النطاقات الحضرية المكتظة.

وجاءت النتيجة بأن حرارة سطح الأرض ترتفع في المناطق المحيطة بمراكز البيانات فور دخولها الخدمة مباشرة، ليمتد الإجهاد الحراري المنبعث منها إلى مسافة 10 كيلومترات، وبفارق يصل إلى 9.1 درجة مئوية في بعض المواقع.

340 مليون شخص يعيشون في نطاق التأثير الحراري المباشر للخوادم

ولا تتوقف خطورة الأرقام عند الجانب البيئي الجاف، فالأبحاث تشير إلى أن أكثر من 340 مليون إنسان يعيشون حاليا داخل نطاقات التأثير الحراري المباشر لهذه المراكز، وهو ما يتداخل مع ظاهرة “الجزر الحرارية الخرسانية” التي تصنعها المدن بطبيعتها.

وعلاوة على ذلك، لا تكتفي هذه المنشآت بتسخين محيطها القريب، بل تضخ في الغلاف الجوي كميات ضخمة من الغازات الدفيئة، لتصبح التكنولوجيا مسؤولة عن رفع حرارة الأرض والجو في آن واحد.

 لماذا تولد الآلة كل هذه الحرارة؟

لفهم جذور الأزمة، لا بد من فحص الآلية التشغيلية التي تربط المستخدم بمراكز البيانات، فعندما يوجه أي مستخدم سؤالا أو أمرا إلى نموذج للذكاء الاصطناعي، ينتقل الطلب على الفور إلى شبكة معقدة تضم آلاف الخوادم العملاقة لمعالجة البيانات وتوليد الإجابة، ثم إعادتها إلى شاشة المستخدم في ثوان معدودة.

وإذا كانت الاستفسارات الفردية تبدو ضئيلة الأثر، فإن الحجم التراكمي للطلبات التي يرسلها مئات الملايين من البشر على مدار الساعة يصنع فجوة استهلاك هائلة.

الأمم المتحدة: الذكاء الاصطناعي يستهلك طاقة دول بأكملها

وبفعل تباين النطاقات الزمنية للمستخدمين حول العالم، تعمل هذه الخوادم دون توقف، وبطاقة كهربائية تراوح بين 100 و300 ميغاوات للمركز الواحد (وهي طاقة تكفي لإمداد آلاف المنازل)، مما يحول تلك المنشآت إلى بؤر حرارية ضخمة تحاكي عمل الحواسيب المنزلية لكن على مقاييس صناعية عملاقة.

وهذا الواقع دفع الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى إطلاق وصف دقيق لتقنيات الذكاء الاصطناعي بأنها تقنيات “جائعة للأراضي والمياه والطاقة”، محذرا من أنها باتت تستهلك طاقة تفوق ما تستهلكه دول بأكملها.

 استنزاف الموارد الطبيعية

تكشف تقارير الأمم المتحدة عن أبعاد أخرى للأزمة تتجاوز الانبعاثات الحرارية لتطال الموارد المائية الحيوية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن معدل استهلاك مراكز البيانات للمياه العذبة لأغراض التبريد سيعادل استهلاك 1.3 مليار شخص بحلول نهاية العقد الحالي، بالتوازي مع توسع في المساحات الجغرافية المخصصة لبنائها لتتجاوز 14.5 ألف كيلومتر مربع.

مراكز البيانات ستستهلك مياها عذبة تساوي استهلاك مليار وثلاثمئة مليون شخص

وأمام هذا الاستنزاف، تبنت الأمم المتحدة مبادرة دولية تهدف إلى إلزام قطاع التكنولوجيا بتحمل المسؤولية البيئية المباشرة عن بصمتها المائية والكربونية.

والمفارقة هنا تكمن في أن هذه الاستثمارات التكنولوجية باتت في خط المواجهة الأول أمام الكوارث المناخية التي تسهم في صنعها؛ حيث تظهر البيانات أن 80% من مراكز البيانات حول العالم تقع حاليا في مناطق مهددة بالفيضانات، أو الرياح العاتية، أو حرائق الغابات.

مسؤولية المستخدم ومستقبل الحلول

تضع التقارير الأممية المستخدم اليومي في قلب ميزان الطاقة؛ فالاستخدام الفردي اليومي مسؤول عن نحو 90% من إجمالي استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، مقارنة بالطاقة المستهلكة في مرحلة التدريب الأولية للنماذج.

ومع معالجة الأنظمة لأكثر من 2.5 مليار أمر يوميا، يبرز تباين حاد في كلفة المحتوى؛ إذ يستهلك توليد صورة واحدة عبر الذكاء الاصطناعي طاقة تفوق ما يستهلكه إنتاج ألف أمر نصي، وتتضاعف هذه الكلفة بشكل حاد عند الانتقال إلى توليد المقاطع الصوتية والمرئية.

وفي محاولة لتدارك الموقف، تسعى الصناعة حاليا وبتوجيهات أممية واضحة لطرح حلول بديلة ومبتكرة، من بينها إعادة توجيه الحرارة المهدرة من المراكز واستغلالها في شبكات التدفئة المدنية، وتحسين معايير اختيار المواقع لتشييدها بعيدا عن التجمعات السكانية.

الأنظمة تعالج 2.5 مليار أمر يوميا: كلفة بيئية تراكمية مرعبة تماما

وفي السياق ذاته، تتجه أنظار شركات التكنولوجيا الكبرى نحو خيارات جغرافية وفيزيائية بديلة، مثل دراسة نقل هذه المراكز إلى مناطق القطب الشمالي لتقليل كلفة التبريد الطبيعي، أو التوجه نحو الاعتماد على الطاقة النووية الخاصة لتشغيل منشآتها بهدف تصفير الانبعاثات الكربونية.

لكن، وإلى أن تتحول هذه الاستراتيجيات إلى واقع مطبق على نطاق واسع، ستظل مراكز البيانات مصدرا مستمرا للاحترار المحلي والعالمي، ما يضع المجتمعات أمام تساؤل جوهري حول التوازن المطلوب بين الرفاهية الرقمية والكلفة البيئية للأرض.

الرابط المختصر: https://msheireb.co/cid

اشترك في قائمتنا البريدية

أخبار قطر بين يديك.. اشترك الآن وستصلك ملخصاتنا الإخبارية أولا بأول