في أقصى شمال الدوحة، وعلى بعد نحو 100 كيلومتر، تبدأ حكاية مختلفة تماما… حيث الهدوء ليس مجرد صمت، بل إيقاع حياة تنسجه الطبيعة بعناية، هناك، تحتضن محمية الكبيسي التعليمية عالما نابضا بالكائنات والحياة معا، وكأنها قطعة من البرية القطرية أُعيد إحياؤها لتُروى من جديد.
ليست المحمية مجرد مساحة خضراء، بل ذاكرة حيّة بدأت عام 1987، حين وضع مؤسسها الأول حجر الأساس برعاية بسيطة لحيوانات المزارع، قبل أن تتحول، بجهود محمد سعيد الكبيسي، إلى وجهة تعليمية وسياحية تستقبل طلاب المدارس والزوّار، وتفتح أمامهم نافذة نادرة على كنوز البيئة القطرية.
هنا، لا تُعرض الحيوانات ككائنات معزولة، بل كجزء من قصة بقاء، فتسير بين أروقة المكان فتلتقي بالخيول العربية الأصيلة، رمز الفخر والعراقة، وتلمح الوشق العربي والقط الرملي، وهما من الكائنات التي كادت تختفي من البرية، حتى الغراب، الذي قلّ حضوره، يجد له ملاذا في هذا الفضاء الآمن.
مفاجآت تلك المحمية لا تتوقف… ففي واحدة من الزوايا يعيش الورل، أكبر الزواحف في المنطقة، في بيئة تحاكي موطنه الطبيعي، بينما تحلّق الطيور المهاجرة فوق المكان، وكأنها وجدت محطة استراحة وسط رحلة لا تنتهي.
وفي السماء، تبدأ الحكاية الأكثر إثارة… نسور جريفن فولتشر تحلّق بثبات، وعقبان الثعابين ترصد فرائسها بدقة مذهلة قبل أن تنقضّ في لحظة خاطفة، في مشهد يعكس قسوة الطبيعة وجمالها في آن واحد، أما عالم البوم، فيأخذك إلى أجواء غامضة، حيث البوم الفرعوني الذي يعشق الاستقرار والحياة، وبوم “انطوك” الذي يثبت حضوره كأحد سكان هذه الأرض الذين لا يغادرونها.
محمية الكبيسي ليست مكانا للزيارة فحسب، بل دعوة مفتوحة لاكتشاف وجه آخر لقطر… وجه طبيعي، أصيل، ومليء بالحياة ينتظر من يقترب منه ليحكي له أسراره.
غرائب الكائنات وقصص البقاء
ولا تتوقف الدهشة داخل محمية الكبيسي التعليمية عند حدود الطيور والزواحف، بل تمتد إلى كائنات تحمل قصصا من الجرأة والبقاء.
في أحد أركان المحمية، يظهر غرير العسل، ذلك الحيوان الصغير في حجمه، الكبير في سمعته، والذي يُعد من أشجع الكائنات في العالم، لا يخشى المواجهة، وقد عُرف بقدرته على التصدي لمفترسات أكبر منه حجما مثل الضباع، بل وحتى مواجهة الأسود، ويتغذى على العسل والزواحف وبعض الحيوانات الصغيرة، ويجسد صورة نادرة للقوة التي لا تُقاس بالحجم، وهو من الأنواع التي واجهت خطر الانقراض عالميا.
وعلى بُعد خطوات، تأخذك المحمية إلى واحدة من أغرب عجائب البيئة القطرية، وهي سمكة الرمال، أو ما تُعرف محليا بـ“الدماسة”، ورغم اسمها، فهي ليست سمكة بل زاحف فريد يعيش في المناطق الجنوبية مثل خور العديد ومسيعيد، ويتميز بملمس ناعم وقدرة مذهلة على “السباحة” داخل الرمال، وكأنها بحر خفي يحتضنه.
أما محبو الزواحف، فسيجدون أنفسهم أمام ثعبان ورد تين، أحد أكبر الثعابين في المحمية، ورغم أنه غير سام، إلا أن التعامل معه يتطلب خبرة وحرصا، وهو ما يتكفل به مختصون يرافقون الزوار لضمان السلامة.
ولا تكتفي المحمية بعرض هذه الكائنات، بل تقدّم تجربة تعليمية متكاملة، حيث يتواجد مرشدون متخصصون يروون قصص كل كائن، ويشرحون دوره في النظام البيئي، ضمن بيئة آمنة تطبق أعلى معايير الحماية.
وتفتح المحمية أبوابها للزوار ثلاثة أيام في الأسبوع، من الساعة الثالثة عصرا حتى السادسة مساء، مقابل رسوم رمزية، لتمنح الجميع—صغارا وكبارا—فرصة نادرة للتماس المباشر مع طبيعة قطر، واكتشاف عالم لا يُرى في العادة إلا خلف الشاشات.




منظومة وطنية للحماية والاستدامة
لا تمثل محمية الكبيسي جهدا معزولا، بل تأتي ضمن سياق وطني شامل تتبناه دولة قطر لحماية بيئتها البرية والبحرية؛ حيث تشكل المحميات الطبيعية ما يقارب 23 بالمائة من مساحة اليابسة في الدولة، وهي واحدة من أعلى النسب في المنطقة.
وتتنوع هذه المحميات لتشمل مناطق ذات أهمية بيئية وتاريخية كبرى مثل: محمية الشيحانية التي تعد مهد حماية المها العربي، ومحمية المسحبية في المنطقة الجنوبية التي تهدف إلى إثراء التنوع الحيوي، ومحمية خور العديد التي تمتاز بظاهرة نادرة عالميا وهي زحف الكثبان الرملية نحو البحر.
وتعد هذه المحميات الطبيعية الرئة التي تتنفس من خلالها الكائنات الفطرية بعيدا عن التوسع العمراني والنشاط البشري المكثف، مما يضمن بقاء السلالات المحلية وتكاثرها في بيئاتها الأصلية وفق خطط مدروسة تشرف عليها وزارة البيئة والتغير المناخي، التي تعمل على تنفيذ مشاريع استراتيجية مثل مشروع إكثار الحبارى وحماية السلاحف البحرية صقرية المنقار التي تعشش في الشواطئ القطرية والجزر القريبة.




جهود الدولة في صون البيئة
تبذل دولة قطر جهودا حثيثة في سبيل الحفاظ على التوازن البيئي وتنمية الموارد الطبيعية، بما يتماشى مع ركيزة التنمية البيئية في رؤية قطر الوطنية 2030؛ حيث استثمرت الدولة في برامج وطنية رائدة لإعادة توطين الحيوانات المهددة بالانقراض، وتوسعة رقعة المحميات الطبيعية، وتطوير القوانين والتشريعات البيئية التي تجرم الصيد الجائر وتمنع تدمير الروض والحياة النباتية مثل شجر السدر والسمر التي تشكل العمود الفقري للكساء الخضري المحلي.
كما تبرز جهود الدولة في استضافة الفعاليات البيئية الكبرى، والترويج للسياحة البيئية المسؤولة التي تتيح للجمهور التعرف على جماليات الطبيعة دون الإضرار بها.
وتعمل الجهات الحكومية جنبا إلى جنب مع المبادرات الخاصة والمحميات التعليمية مثل محمية الكبيسي، لغرس قيم الوعي البيئي في نفوس النشء، وتوفير منصات تفاعلية تمكنهم من فهم أهمية التنوع الحيوي كجزء من الهوية الوطنية ومستقبل البلاد المستدام، متبعة في ذلك أرقى المعايير العلمية في الإدارة البيئية، ومراقبة الأنواع الفطرية، وضمان استمرارها للأجيال القادمة التي ستتسلم أمانة الحفاظ على هذه الأرض الطيبة وثرواتها الفطرية الفريدة.
ومن خلال هذه الجهود المتكاملة، تواصل قطر كتابة قصة نجاحها في صياغة مستقبل بيئي آمن ومزدهر، يتناغم فيه النمو الاقتصادي مع صون الموارد الطبيعية والجمالية التي تجعل من الدولة واحة خضراء في قلب المنطقة الصحراوية، بفضل الرؤية الثاقبة والعمل الدؤوب في كافة المستويات الرسمية والخاصة لخدمة الصالح العام وتحقيق أهداف التنمية المستدامة المنشودة بكل كفاءة واقتدار.







