تشهد المجتمعات المعاصرة قفزة غير مسبوقة في معدلات الإصابة بالأمراض التحسسية، كالربو، والإكزيما، وحساسية الطعام، حيث تشير تقديرات المنظمة العالمية للحساسية إلى أن هذه المعاناة باتت تطال ما بين 20% إلى 30% من سكان كوكب الأرض.
وتشير المنظمة العالمية للحساسية (WAO)، أن هذا الارتفاع المقلق دفع العلماء والباحثين إلى مراجعة شاملة لنمط الحياة الحديث، ليتكشف أن جهازنا المناعي يواجه هجوما صامتا تشترك فيه يد التكنولوجيا والبيئة والعادات اليومية الدخيلة.
ويختبئ المحفز الأول للحساسية في عمق بيوتنا؛ إذ تعج المنازل بالمركبات العضوية المتطايرة المنبعثة من الطلاء، والأثاث، والمنظفات، والتي يتجاوز تركيزها داخل الغرف المغلقة مائة ضعف مقارنة بالهواء الطلق.
هذا الاستنشاق اليومي المستمر لبقايا المواد الكيميائية، إلى جانب الإفراط في التعقيم واستخدام غسالات الأطباق الكهربائية التي تخلف آثارا كيميائية على الأواني، يتسلل إلى أجسادنا ليربك دفاعاتنا الطبيعية ويضعف الحواجز الواقية للجلد والجهاز الهضمي، مما يجعل الجسم في حالة استنفار وتحسس دائم، وفقا لتقديرات المنظمة العالمية للحساسية (WAO).
وعلى الجانب الآخر، يبدو أن هوسنا العصري بالنظافة المفرطة قد ارتد علينا سلبا، حيث أدى إلى اختلال بيئة “الميكروبيوم“؛ وهو مجتمع البكتيريا النافعة المستوطنة في الأمعاء والرئتين والتي تضبط إيقاع المناعة.
والحرمان المبكر من هذه الكائنات الدقيقة نتيجة الطفرة الهائلة في عمليات الولادة القيصرية،التي تحرم المواليد من بكتيريا القناة الطبيعية، وتراجع الرضاعة الطبيعية، بالتوازي مع الإفراط العشوائي في منح الأطفال مضادات حيوية، كلها عوامل تسببت في إضعاف الجهاز المناعي وزيادة فرص إصابته بالتحسس في مراحل لاحقة من العمر.
ولا يمكن فصل هذه المنظومة عن ثورة الغذاء “الغربي” وسيطرة الوجبات السريعة والأطعمة فائقة التصنيع الغنية بالدهون والمواد الحافظة والفقيرة بالألياف.
هذه الأغذية الدخيلة لا تفسد بيئة الأمعاء فحسب، بل تمزق الحواجز المبطنة للجهاز الهضمي والجلد، مما يفتح الباب على مصراعيه لظهور حساسية الطعام المستعصية.
وإذا ما أضفنا إلى هذا الخليط المعقد ظاهرة اقتناء الحيوانات الأليفة في مساحات سكنية مغلقة، نجد أنفسنا أمام طوق بيئي وغذائي متكامل يفسر بوضوح كيف غيرت الحياة الحديثة هوية جهازنا المناعي وحولته من خط دفاع إلى مصدر للمعانة اليومية.

