استقبلت العاصمة القطرية اليوم العالمي للهيموفيليا، الذي يوافق الجمعة 17 أبريل، عبر سلسلة من الفعاليات التوعوية والتثقيفية، من أبرزها إضاءة معالم عمرانية في الدولة باللون الرمزي للمناسبة، في مشهد يجسد عمق الالتزام الإنساني والصحي تجاه هذا المرض النادر، وتأتي فعاليات هذا العام لتؤكد التوجهات الاستراتيجية في تطوير منظومة الرعاية الصحية، وتعزيز الوصول العادل إلى العلاج، وترسيخ مفاهيم الوقاية والتشخيص المبكر كركائز أساسية في الارتقاء بجودة حياة المرضى وتحسين رعايتهم.
وتأتي فعاليات هذا العام تحت شعار: «الوصول العادل للجميع.. التشخيص والوقاية كمعيار عالمي للرعاية»، تأكيدا على أهمية ترسيخ العدالة الصحية وتوسيع فرص التشخيص والرعاية لمرضى الهيموفيليا حول العالم، وهي مناسبة عالمية تؤكد فيها قطر من خلال مؤسسة حمد الطبية الوصول الى نقلة نوعية وهي الانتقال من مرحلة توفير العلاج التقليدي إلى مرحلة ابتكار الحلول الوقائية التي تضمن حياة طبيعية ومستقرة للمصابين.
وتتبنى المنظومة الصحية في قطر أحدث البروتوكولات العلاجية التي جعلت من الدوحة وجهة دولية يشار لها بالبنان في هذا التخصص الدقيق، الذي يحتاج الى عناية ومتابعة خاصة.
ويعد مرض الهيموفيليا، أو ما يعرف بمرض (الناعور)، اضطرابا جينيا نادرا يرافق الشخص مدى الحياة، حيث يفتقر جسم المصاب إلى بروتينات أساسية تسمى عوامل التخثر، وهي المسؤولة عن وقف النزيف عند حدوث أية إصابة.
وفي غياب هذه البروتينات، يصبح حتى النزيف البسيط تحديا طبيا يحتاج تدخلا دقيقا للغاية لضمان عدم تفاقم الحالة.
وفي وقت سابق، كان قد أوضح الصيدلاني الإكلينيكي المتخصص في مؤسسة حمد الطبية الدكتور أحمد عبد العزيز عبد الباري أن خطورة هذا المرض لا تكمن فقط في الجروح الظاهرة، بل في النزيف الداخلي الذي يهاجم المفاصل مثل الركبة والمرفق، مما قد يسبب تلفا مستداما في الأنسجة إذا لم يتم التعامل معه بسرعة فائقة.
ويؤكد عبدالباري أن المعرفة بالأعراض هي السلاح الأول للمريض وعائلته، حيث أن علامات مثل الكدمات مجهولة السبب أو تورم المفاصل هي ناقوس خطر يستوجب مراجعة المراكز المتخصصة فورا.
قطر وهندسة الأمان الصحي
لم تكن إسهامات قطر وليدة اليوم، بل هي نتاج سنوات من التراكم العلمي والتقني الذي يضع مصلحة المريض فوق كل اعتبار.
ففي السابق، كان شعار “تبادل المعارف يزيدنا قوة” هو المحرك الأساس للحملات التوعوية، واليوم، في عام 2026، قطفت الدولة ثمار هذا النهج عبر محاور استراتيجية عدة، حيث نجحت مؤسسة حمد الطبية في تطبيق نظام علاجي وقائي يتم فيه تزويد المرضى بعوامل التخثر بشكل روتيني، مما يمنع حدوث النزيف قبل وقوعه.
وجعل هذا النظام مريض الهيموفيليا في قطر يمارس حياته الدراسية والمهنية دون خوف من نوبات النزيف المفاجئة، مدعوما بوجود عيادات متكاملة وشاملة التخصصات تضم فريق عمل يجمع أطباء أمراض الدم وجراحي العظام واختصاصيي العلاج الطبيعي، والذين يعملون بتناغم تام لضمان حماية الجهاز الحركي للمريض وتجنب أي إعاقات مستقبلا.
الطفرة التكنولوجية في الطب الجيني والرقمنة
مع حلول هذا العام، عززت قطر من استخدام السجل الوطني الرقمي للمرضى، وهو نظام إلكتروني يسمح لأي قسم طوارئ في الدولة بالوصول الفوري إلى البروتوكول العلاجي الخاص بالمريض بمجرد إدخال بياناته، مما يضمن صرف عامل التخثر المناسب في وقت قياسي لا يتجاوز دقائق معدودة.
كما بدأت المؤسسات البحثية في الدولة، بالتعاون مع المركز الوطني لعلاج وأبحاث السرطان، في دراسة العلاجات الجينية الواعدة التي تهدف إلى تصحيح الخلل الجيني من الأساس، وهو ما أشار له في وقت سابق استشاري أول علاج الأورام والدم الدكتور محمد أسامة الحمصي.
وبين الحمصي أن قطر تسعى دائما لتوفير أحدث ما توصل إليه العلم من أدوية، بما في ذلك الأجسام المضادة ثنائية الخصوصية التي غيرت قواعد اللعبة في علاج الهيموفيليا، ووفرت حماية طويلة الأمد وسهولة كبيرة في الاستخدام من خلال الحقن تحت الجلد.
رسالة تضامن مجتمعية شاملة
وشهد اليوم الجمعة انطلاق ورش عمل تثقيفية موسعة تنظمها مؤسسة حمد الطبية بالتعاون مع رابطة أصدقاء الهيموفيليا في قطر.
وتهدف هذه الفعاليات إلى دمج المرضى في المجتمع بشكل أكبر، وتوزيع أدلة إرشادية حول الرياضات الآمنة والأنظمة الغذائية التي تدعم صحة الأوعية الدموية.
إن اللون الأحمر الذي فاض على معالم الدوحة الليلة ليس مجرد لون تضامني، بل هو رمز لالتزام دولة قطر الإنساني والوطني تجاه كل فرد يعيش على أرضها، وتأكيد على أن الرحلة التي بدأت بالوعي واستمرت بالبحث العلمي، تتوج غدا بتأكيد أن قطر ستبقى دائما واحة أمان ورعاية، حيث لا مكان لليأس مع وجود إرادة طبية صلبة وعلم لا يتوقف عن التطور لخدمة البشرية.

