تحوّلت تحلية المياه في اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي من مجرد خدمة بنية تحتية تقليدية إلى إحدى الدعائم الاستراتيجية للنمو الصناعي، ومواكبة التوسع العمراني المتسارع، فضلا عن دورها المحوري في تعزيز الأمن المائي على المدى الطويل، ولم يعد هذا القطاع مجرد خيار تقني، بل أصبح ضرورة حيوية تفرضها طبيعة المنطقة وتحدياتها المناخية.
وتُعد دول الخليج من أكبر منتجي المياه المحلاة عالميا، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 80% من مياه الشرب في المنطقة تأتي من محطات التحلية، ما يعكس حجم الاعتماد المتزايد على هذا المصدر، ولا يقتصر دور التحلية على تلبية الاحتياجات السكانية، بل يمتد ليشمل دعم قطاعات استراتيجية، أبرزها النفط والغاز، والتكرير، وتوليد الكهرباء، والصناعات الغذائية، إلى جانب مشاريع البنية التحتية الكبرى.
القوة المائية
وفي هذا السياق، أكد تقرير صادر في مارس 2026 عن موديز أن تحلية المياه أصبحت جزءا لا يتجزأ من منظومة البنية التحتية الأساسية، التي تمكّن اقتصادات دول مجلس التعاون من تحقيق النمو والاستقرار.
في المقابل، تتصاعد المخاطر المرتبطة بالإجهاد المائي، حيث تشير تقديرات المنظمة الدولية لتحلية المياه، بحسب ما نشرته فوربس، إلى احتمال تراجع الناتج المحلي الإجمالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة تصل إلى 14% بحلول عام 2050، في حال تجاوز الطلب على المياه مستويات الإمداد المتاحة.
تحلية المياه أصبحت جزءا لا يتجزأ من منظومة البنية التحتية الأساسية، التي تمكّن اقتصادات دول مجلس التعاون من تحقيق النمو والاستقرار
وتُظهر البيانات اعتمادا متزايدا على المياه المحلاة لتلبية الاحتياجات الأساسية في مختلف القطاعات، رغم تفاوت مستويات الإنتاج والاستخدام بين دول الخليج، وتتصدر السعودية والإمارات العربية المتحدة دول المنطقة في إنتاج المياه المحلاة، وفق بيانات AQUASTAT لعام 2022.
ففي السعودية، يبلغ إنتاج المياه المحلاة نحو 5.85 مليون متر مكعب يوميا، ما يعادل قرابة 45% من إجمالي احتياجاتها من المياه المستخدمة في الأغراض البديلة والصناعية.
تواصل دول مجلس التعاون توسيع قدراتها الإنتاجية بوتيرة متسارعة، مدفوعة بالطلب المتنامي
أما الإمارات، فتسجل إنتاجا يوميا يبلغ 5.81 مليون متر مكعب، يغطي نحو 90% من الاستخدام البديل والصناعي، في مؤشر واضح على عمق الاعتماد على هذا المصدر.
وتواصل دول مجلس التعاون توسيع قدراتها الإنتاجية بوتيرة متسارعة، مدفوعة بالطلب المتنامي، إذ تضاعفت الطاقة الإنتاجية تقريبا من 3.5 مليار متر مكعب سنويًا في عام 2010 إلى 6.7 مليار متر مكعب في عام 2020.
وبحسب تقرير الهيئة السعودية للمياه، من المتوقع أن ترتفع هذه القدرة إلى 9.46 مليار متر مكعب سنويا في عام 2025، وصولا إلى 11.76 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، ما يعكس تسارع الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
وفي موازاة ذلك، خصصت دول المجلس استثمارات حكومية ضخمة لمشاريع التحلية، تُقدّر بنحو 13.7 مليار دولار خلال الفترة من 2024 إلى 2028، في خطوة تؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، ليس فقط في تلبية الطلب المتزايد، بل في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن المائي في واحدة من أكثر مناطق العالم شحًا في الموارد المائية.

الخصخصة وتعزيز الكفاءة
رغم هيمنة القطاع الحكومي تاريخيا على قطاع تحلية المياه في دول الخليج، يشهد هذا القطاع تحولا متسارعا نحو إشراك القطاع الخاص، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية والتشغيلية، وتعزيز الكفاءة والابتكار، ولم يعد دور القطاع الخاص مقتصرا على التمويل، بل امتد ليشمل نقل التكنولوجيا وتطوير حلول أكثر استدامة.
قطاع المياه يشهد تحولا متسارعا نحو إشراك القطاع الخاص، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية والتشغيلية، وتعزيز الكفاءة والابتكار
وفي هذا السياق، يشير خبير المياه الجوفية في معهد الكويت للأبحاث العلمية، محمد الراشد، إلى أن مساهمة القطاع الخاص باتت ترتكز على إدخال تقنيات متقدمة، خاصة تلك المعتمدة على الطاقة المتجددة، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وخفض التكاليف.
وتقود السعودية هذا التوجه من خلال برامج الخصخصة والشراكات مع شركات محلية وعالمية، ما أتاح تطوير تقنيات أكثر كفاءة، وعلى رأسها تقنية التناضح العكسي لمياه البحر (SWRO)، التي أسهمت في تقليل استهلاك الطاقة وخفض النفقات التشغيلية والإنفاق الحكومي، كما تلعب نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص دورًا متزايدًا في تنفيذ مشاريع كبرى، بما يعزز استدامة القطاع ويرفع كفاءته التشغيلية.
وفي دبي، برز نموذج عملي لهذه الشراكات من خلال تطوير مجمع حصيان لتحلية المياه التابع لهيئة كهرباء ومياه دبي، بتكلفة بلغت 919.5 مليون دولار، باستخدام تقنية التناضح العكسي، وذلك عبر شراكة تقودها أكوا باور، إلى جانب مستثمرين آخرين من بينهم مجموعة السويدي للصناعة.
قطر نموذج أكثر انفتاحا
أما في قطر، فيبرز نموذج أكثر انفتاحا، حيث تعتمد الدولة منذ عام 1990 على إشراك القطاع الخاص بشكل كامل في تطوير وتشغيل محطات التحلية، خاصة بتقنية التناضح العكسي، ما أسهم في بناء منظومة متقدمة قادرة على تلبية الطلب المتزايد. وتعد محطة “رأس بوفنطاس 3” من أبرز هذه المشاريع، إذ توفر المياه لأكثر من مليون شخص، فيما تتصدر محطة “أم الحول” مشهد التحلية باعتبارها من أكبر المنشآت في الشرق الأوسط.
تستثمر قطر في البحث العلمي عبر مؤسسات متخصصة مثل معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، الذي يعمل على تطوير كفاءة تقنيات التحلية وربطها بالطاقة المتجددة
وفي إطار التوجه نحو الابتكار، تستثمر قطر في البحث العلمي عبر مؤسسات متخصصة مثل معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، الذي يعمل على تطوير كفاءة تقنيات التحلية وربطها بالطاقة المتجددة، إلى جانب دعم الشركات الناشئة في مجالات الكشف الذكي عن التسربات وإدارة شبكات المياه.
التحول التكنولوجي… من الوقود إلى الذكاء
يشهد قطاع التحلية الذي يُعد من أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة ورأس المال تحولا جذريا تقوده التكنولوجيا، مع التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، لا سيما الطاقة الشمسية، بدلًا من الوقود الأحفوري، ما يسهم في خفض التكاليف وتقليل الانبعاثات الكربونية.
كما يتسارع الانتقال من تقنيات التحلية الحرارية التقليدية إلى تقنيات “الأغشية”، وعلى رأسها التناضح العكسي، التي تعتمد على تمرير المياه المالحة عبر أغشية فائقة الدقة لفصل الأملاح والشوائب، ما يوفر كفاءة أعلى واستهلاكًا أقل للطاقة مقارنة بالطرق التقليدية.
وبالتوازي، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة محورية في إدارة محطات التحلية، من خلال التنبؤ بالأعطال، وتحسين استهلاك الطاقة، ورفع كفاءة توزيع المياه، وفق تقرير صادر عام 2025 عن الهيئة السعودية للمياه.
وتشير التقديرات إلى أن استخدام الأنظمة الذكية يمكن أن يخفض استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 10% و50%، ويقلل التكاليف التشغيلية بما يصل إلى 30%، ما يعزز الجدوى الاقتصادية لهذا القطاع الحيوي، ويؤسس لمرحلة جديدة تقودها الكفاءة والاستدامة.
تحديات قائمة
رغم هذه التحولات الإيجابية، يواجه قطاع تحلية المياه تحديات متزايدة، في مقدمتها المخاطر السيبرانية المرتبطة بالاعتماد المتسارع على الأنظمة الرقمية، إذ إن أي خلل أو توقف في عمليات التحلية قد يفضي إلى تداعيات اقتصادية واسعة، نظرا لاعتماد القطاعات الحيوية على إمدادات مائية مستقرة ومستمرة.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز تحلية المياه كإحدى الركائز الأساسية للأمنين المائي والاقتصادي في دول الخليج، ليس فقط كمصدر حيوي للمياه، بل كبنية تحتية استراتيجية شديدة الحساسية، ومع تواصل الاستثمارات وتكامل التقنيات الحديثة، يتجه القطاع نحو مرحلة أكثر تطورا، تعزز الاستدامة وترسّخ مسارات التنمية طويلة الأمد في المنطقة.

