قرار تاريخي.. الجنائية الدولية توجه لنتنياهو وغالانت تهمة تجويع سكان غزة

الولايات المتحدة انتقدت المحكمة الجنائية الدولية في السابق وقالت إنها لا تعترف بها

في خطوة غير مسبوقة منذ تأسيس دولة الاحتلال قبل 75 عاما، اتهمت المحكمة الجنائية الدولية كبار القادة الإسرائيليين بارتكاب جريمة التجويع المتعمد للمدنيين في قطاع غزة.

ويمثل قرار المحكمة خطوة على طريق تطبيق للقانون الدولي الذي لم تبد الدول الكبرى أي احترام له خلال الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ 9 أشهر، والتي شهدت ارتكاب جيش الاحتلال أعمال إبادة جماعية وجرائم حرب باعتراف هيئات دولية وأممية، دون أي تحرك لمحاسبته.

ووجهت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يوآف غالانت اتهاما رسميا بالتجويع المتعمد لسكان القطاع، وهي واحدة من سبع تهم أعلن المدعي العام للمحكمة كريم خان في مايو الماضي أنه سيطلب أوامر اعتقال للرجلين بشأنها.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن خبراء القانون ومسؤولي إغاثة إن قرار المحكمة يمثل شهادة على قوة قضية غزة، لكنهم أكدوا أنها ستواجه عقبات عملية وإجرائية مع تقدم العملية.

ولم تلتزم إسرائيل بقرار محكمة العدل الدولية القاضي بوقف الحرب في مدينة رفح، كما لم تعمل الولايات المتحدة على تنفيذ القرار، بل ودافعت عما تقوم به تل أبيب قائلة إنها لم تتجاوز الخطوط الحمراء.

وأكدت دولة قطر مرارا أن مصداقية العالم والقانون تتوقف على اتخاذ موقف مما يحدث للمدنيين في غزة، وعلى إلزام الاحتلال باحترام هذه القوانين.

 

كيف تعمل المحكمة؟

من المقرر أن تنظر الدائرة التهميدية للمحكمة وهي لجنة مكونة من ثلاثة قضاة فيما إذا كانت ستصدر أوامر اعتقال لكل تهمة على حدة، كما ستنظر في الطريقة التي ستتعامل بها مع قضية التجويع والتي يقول خبراء إنها الأقوى بين كافة التهم الموجة لقادة الاحتلال.

وإذا صدرت أوامر الاعتقال بشكل رسمي، فإن المحكمة ستعتمد على الدول الأعضاء البالغ عددها 124 دولة، أو الدول المتعاونة من غير الأعضاء، لتنفيذها. ومن غير الواضح ما هي الدول التي ستكون على استعداد لاعتقال نتنياهو أو غالانت، لأنه لا يسمح بمحاكمة المطلوبين للجنائية الدولية غيابيا.

ولم توقع دولة الاحتلال ولا الولايات المتحدة على ميثاق روما، أي أنهما ليستا عضوين في المحكمة، ويتوقع الخبراء أن تتحدى تل أبيب كل خطوات المحكمة.

وقالت مونيك كورمييه، المحاضرة البارزة في كلية الحقوق بجامعة هارفارد الأمريكية لنيويورك تايمز إن المشكلة هي أن المحكمة الجنائية الدولية لم تكن واضحة للغاية بشأن أسس ولايتها القضائية على رؤساء الدول غير الأعضاء رغم أنها تمكنت من التعامل مع قضايا مماثلة من قبل.

فقد سبق للمحكمة أن وجهت لائحة اتهام للرئيس السوداني السابق عمر البشير (لم يتم تسليمه)، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

الأطفال في غزة يعانون نقص الغذاء الحاد وصولا إلى الموت جوعا

وأدانت المحكمة في سنوات سابقة خمسة رجال بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجميعهم من قادة الميليشيات الأفارقة.

وردا على القرار، أعاد متحدث باسم مكتب نتنياهو التذكير بتصريحات أدلى بها رئيس الوزراء الشهر الماضي لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، وقال فيها “إن الادعاء بوجود سياسة تجويع متعمدة لا أساس له من الصحة على الإطلاق”.

وقتلت إسرائيل خلال حربها العشوائية على غزة ما يصل إلى 38 ألفا غالبيتهم من النساء والأطفال فضلا عن فقدان 10 آلاف آخرين على الأقل، ودمرت القطاع بشكل شبه كامل.

وفرض جيش الاحتلال حصارا علنيا على السكان المدنيين وقد أكد غالانت في الأيام الأولى للحرب أن إسرائيل لن تسمح بإدخال طعام ولا شراب ولا دواء إلى القطاع.

وتعاونت واشنطن مع المحكمة الجنائية الدولية في قضايا سابقة وأشادت بجهودها لمحاسبة المسؤولين الروس عن الحرب في أوكرانيا لكنها انتقدت بشدة أسلوبها في التعامل مع إسرائيل، وقال الرئيس جو بايدن إنه لا يعترف بعمل المحكمة.

على الرغم من ذلك، انتقد بايدن وعدد من مسؤولي إدارته بعض العمليات التي نفذتها إسرائيل ضد المنظمات الدولية وخصوصا تلك التي قتلت فيها مجموعة في المطبخ المركزي العالمي.

وكان استهداف جيش الاحتلال لقوافل المساعدات أو من يقومون على إغاثة السكان واحدا من أهم أسباب انتشار الجوع في القطاع الذي يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان.

وجود نية التجويع

ومن الناحية القانونية، قال يوسف سيد خان من المجلس الأطلسي، الذي قاد صياغة التقرير الأول للجنة مفوضة من الأمم المتحدة حول التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، إن “قاعدة الحقائق في هذه القضية محكمة للغاية”.

وأضاف أن ما يجعل هذه القضية بارزة ليس فقط الوضع المتدهور بسرعة على الأرض في غزة، ولكن أيضا “التصريحات الرسمية للشخصين المتهمين”.

ويدرج النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية “الاستخدام المتعمد لتجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب” باعتباره جريمة حرب محتملة.

ويعني هذا الأمر أن المدعي العام يجب أن يثبت أن المواد الغذائية وغيرها من المواد الأساسية يتم حجبها عمدا عن السكان المدنيين.

وبعد يومين من الحرب في السابع من أكتوبر الماضي، أعلن غالانت أنه أمر بفرض “حصار كامل” على غزة . وأضاف: “لا كهرباء ولا طعام ولا وقود.. نحن نقاتل حيوانات وسنتصرف وفقا لذلك”.

وفي 18 أكتوبر، قال نتنياهو إن إسرائيل لن تسمح بدخول المساعدات الإنسانية إلى غزة حتى تطلق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) سراح كافة الأسرى الإسرائيليين المتواجدين لديها.

وبعد شهور، رضخت إسرائيل للضغوط الأمريكية  لكن المساعدات ظلت أقل بكثير جدا من مستويات ما قبل الحرب، وقد أكدت منظمات أممية أن ما يسمح بدخوله يمثل “قطرة في بحر الاحتياجات”.

 

خطة متعمدة

وقالت أستاذة الأمن العالمي في كلية “بلافاتنيك” للإدارة الحكومية بجامعة أكسفورد، جانينا ديل، إن النية هي حالة ذهنية ولا يمكن رؤيتها بمفردها أبدا، مؤكدة أن تعليقات نتنياهو وغالانت تشير إلى أن “هناك سياسة رسمية وخطة لحرمان سكان غزة من لقمة عيشهم”.

وأضافت: “إن الرابط الأقوى الآن بين النوايا في هذه التصريحات وفكرة السياسة هو استمرار عرقلة المساعدات الإنسانية”.

وفي مايو الماضي، قالت مديرة برنامج الغذاء العالمي، سيندي ماكين، إن شمال قطاع غزة يشهد “مجاعة شاملة“، مؤكدة أن هذه المجاعة تتجه نحو الجنوب.

وأكدت ماكين في مقابلة مع برنامج “Meet the Press”، أن المجاعة تنتشر في أنحاء القطاع بعد سبعة أشهر من الحرب، مضيفة “هناك مجاعة، مجاعة كاملة في الشمال، وهي تتجه نحو الجنوب، وما أقوله هو الواقع”.

وفي 25 يونيو الماضي، قال أبرز الخبراء العالميين في مجال الجوع إن ما يقرب من نصف مليون من سكان غزة – أي حوالي ربع السكان أصبحوا على حافة المجاعة.

مديرة برنامج الغذاء العالمي، سيندي ماكين قالت إن المجاعة تفتك بشمال غزة وتتجه إلى الجنوب

وفي المنطقة الشمالية الأكثر تضررا، قالت 56% من الأسر التي فحص الخبراء حالتها إنها استبدلت الملابس بالطعام، وقال نصفهم إنهم فتشوا الحطام بحثا عن شيء للأكل.

وفي وثيقة نشرت جنبا إلى جنب مع بيان المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية في 20 مايو الماضي، وافقت لجنة من الخبراء المستقلين الذين راجعوا ملفات القضية على تقييم المحكمة بشأن جميع التهم الموجهة لقادة الاحتلال بما فييها التجويع.

وقال التقرير “هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت شكلا خطة مشتركة، مع آخرين، لارتكاب جريمة استخدام تجويع المدنيين كوسيلة للحرب”.

وبالإضافة إلى نقص المساعدات، دمرت الغارات الجوية والجرافات الإسرائيلية المزارع والدفيئات الزراعية والبساتين، مما أدى إلى تدمير قدرة القطاع على زراعة غذائه. كما ألحقت العمليات العسكرية أضرارا جسيمة بشبكة المياه وشبكة الكهرباء ونظام الرعاية الصحية في غزة.

وقال توم دانينباوم، الأستاذ المشارك في القانون الدولي في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس: “إن التحدي في تقييم أي هجوم فردي هو تقييم الهدف، والمعلومات المعروفة، والعواقب المتوقعة”.

وبدلا من التركيز على الحوادث الفردية، سيحاول مدعي عام الجنائية الدولية بناء “جدار من الأدلة” لدعم قضيته. وقد أكد دانينباوم أن التصريحات العامة ستشكل لبنة في ذلك الجدار، لكن خان سيحتاج إلى ربط تلك التصريحات بنمط سلوكي.

وأضاف: “السؤال هو ما إذا كان المتورطون قد حرموا المدنيين من الأشياء التي لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة، إما بغرض حرمانهم من القوت أو لعلمهم بأن المدنيين سيتضورون جوعا نتيجة لذلك”.

 

الأطفال يموتون جوعا

وبدأ الأطفال يموتون بسبب مضاعفات سوء التغذية في وقت مبكر من شهر فبراير، حسبما قال الأطباء لصحيفة “واشنطن بوست” في ذلك الوقت.

وكانت هناك تحسينات في تسليم المساعدات في شهري مارس وأبريل، مع تراجع وتيرة القتال، لكن مسؤولي الإغاثة يقولون إن الغزو الإسرائيلي لرفح وإغلاق المعبر الأكثر أهمية في قطاع غزة، أوائل مايو، جعل من المستحيل فعليا توصيل الإمدادات.

وقالت جماعات إنسانية إن غزة تحتاج إلى نحو 500 شاحنة يوميا لتلبية احتياجاتها الأساسية، وهو رقم لم يتم الوصول إليه على الإطلاق خلال الحرب، وفقا لأرقام الأمم المتحدة، وفي بعض الأيام، تراجع عدد الشاحنات بشكل كبير جدا.

ويقول عمال الإغاثة إن الأنظمة الإسرائيلية المتعلقة بالوصول إلى المعابر وحرية الحركة تقيد عملياتهم بشدة؛ وإنهم في كثير من الأحيان لا يحصلون على إذن للوصول إلى الإمدادات التي تنتظرهم على الحدود.

وعندما تكون قوافل المساعدات جاهزة، كثيرا ما يرفض الجيش الإسرائيلي السماح لها بالتحرك عبر القطاع.

وتظل الحرب في حد ذاتها أكبر عائق أمام الإغاثة الإنسانية، فقد قالت الأمم المتحدة هذا الشهر إن غزة أصبحت الآن المكان الأكثر دموية في العالم بالنسبة لعمال الإغاثة حيث قتل ما لا يقل عن 250 موظفا منهم منذ بدء الصراع.

وفي أبريل، قال برنامج الأغذية العالمي، إن العمليات الإنسانية في قطاع غزة تقترب من الانهيار بسبب التشغيل المحدود للمعابر الحدودية الجنوبية.

وقال جورج بيتروبولوس، رئيس مكتب وكالة الشؤون الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في غزة، الشهر الماضي: “إننا لا نملك اللغات التي يمكننا من خلالها أن ننقل إلى حكومة إسرائيل احتياجاتنا”، مضيفا “ليس لدي وقود. أنا على وشك نفاد المستودعات. أنت تقتل العاملين معي”.

كما قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، منتصف يونيو، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تمنعها في كثير من الأحيان من تسليم المساعدات وتعرقل عملياتها في قطاع غزة.

وأكدت مديرة العلاقات الخارجية في الوكالة تمارا الرفاعي، أن أونروا تتلقى قليلا جدا من الردود الإيجابية (من إسرائيل) على طلباتها لتوصيل المساعدات وتصاريح التنقل في أنحاء غزة.

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *