يبرز التحول الصيني نحو نموذج الدولة الكهربائية كعامل حاسم في حماية اقتصادها من تقلبات أسعار النفط العالمية، إذ يرى مراقبون أن بكين باتت اليوم أكثر مرونة في مواجهة الصدمات الطاقية الناتجة عن النزاعات الإقليمية والتوترات الدولية.
بينما اعتبر سيناتور أمريكي أن تعطل ناقلات النفط في الخليج يمثل كابوس للصين، إلا أن الواقع يشير إلى أن سنوات من التخطيط الاستراتيجي وضعت البلاد في موقف اقتصادي مريح مكنها من امتصاص الأزمات المفاجئة.
تحصين الاقتصاد
وتعتمد استراتيجية بكين على بناء احتياطيات نفطية هائلة تجاوزت مليار وثلاثمئة مليون برميل وفق لتقديرات دولية، حيث تفوق هذه الكمية الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي الذي تراجع إلى أربعمئة وخمسة عشر مليون برميل في الفترة الأخيرة.
وتسمح هذه المخزونات للصين بتعويض أي نقص في الإمدادات عبر مضيق هرمز لمدة تتجاوز ستة أشهر، حيث كانت المنطقة توفر سابقا نصف واردات الصين النفطية وثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي الذي تستهلكه الصناعة.
وتمتلك الصين قدرات فائضة في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم، إذ يمكن تشغيل هذه المحطات بكامل طاقتها لضمان استقرار الشبكة الوطنية ودعم الصناعات الثقيلة خلال فترات انقطاع إمدادات الطاقة الأجنبية غير المستقرة.
وتهدف هذه الخطوات إلى تقليل الارتباط بالوقود المستورد الذي تعتبره القيادة الصينية نقطة ضعف أمنية، ذلك أن الاعتماد المفرط على الخارج يضع الاقتصاد تحت رحمة التحولات الجيوسياسية المفاجئة والقرارات السياسية الدولية المتقلبة والمفاجئة.
وتستغل الصين هذا الفائض في إنتاج الفحم لضمان عدم تأثر سلاسل التوريد المحلية بارتفاع أسعار الغاز، حيث يساهم ذلك في استقرار أسعار المنتجات النهائية والحفاظ على تنافسية الصادرات الصينية في الأسواق العالمية المختلفة بشكل مستمر.
الريادة الكهربائية
ونجحت الصين في جعل الكهرباء مصدا لثلاثين بالمئة من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد، حيث يعد هذا المعدل أعلى من المتوسط العالمي بنسبة خمسين بالمئة بفضل الاستثمارات الضخمة في المصادر المتجددة والبديلة.
وتساهم الطاقة الشمسية والرياح والمياه في توليد أكثر من ثلث احتياجات الكهرباء الوطنية، إذ تعتمد هذه المشاريع على مكونات مصنعة محليا مما يعزز السيادة الطاقية ويقلل التكاليف التشغيلية طويلة الأمد للاقتصاد الوطني بمختلف قطاعاته.
أدى التوسع في قطاع السيارات الكهربائية إلى خفض نمو الطلب على النفط بشكل حاد، حيث مكنت هذه التحولات الصين من توفير نحو مليون ومائتي ألف برميل يومي منذ عام 2019 بفضل التطور التقني.
في المقابل تواجه الولايات المتحدة تحديات في تنويع مصادر الطاقة وتحديث الشبكات المتهالكة، ذلك أن السياسات المتضاربة أدت إلى إبطاء نمو مشاريع الطاقة النظيفة وتقليص الحوافز الاستثمارية الموجهة لتطوير قطاع الرياح والطاقة الشمسية.
بينما تعاني واشنطن من ارتفاع أسعار الكهرباء وصعوبة تأمين الطاقة لمشاريع الذكاء الاصطناعي، إذ تواصل بكين بناء المفاعلات النووية الجديدة بوتيرة متسارعة لتعزيز استقرار منظومتها الكهربائية المتطورة وضمان استدامة النمو الاقتصادي في المستقبل القريب.
آفاق النفوذ الجيوسياسي
ورغم النجاحات المحققة لا تزال بعض القطاعات الصناعية الصينية مرتبطة بالوقود الأحفوري بشكل وثيق، حيث يتطلب إنتاج زجاج الألواح الشمسية وبطاريات الشبكات العملاقة مواد كيميائية مشتقة بالأساس من معالجة النفط والغاز الطبيعي المستورد.
ويرى خبراء أن الصناعة الصينية لا تزال بحاجة لكميات كبيرة من الطاقة الأحفورية لتشغيل المصانع، إذ تشكل هذه التبعية تحدي مستمر يتطلب ابتكارات جديدة في مجال التصنيع المعتمد كليا على موارد الطاقة النظيفة والمستدامة كليا.
إلا أن الأزمة الحالية قد تمنح بكين ميزة جيوسياسية كشريك عالمي موثوق في تقنيات الطاقة البديلة، حيث يتجه العالم نحو البحث عن حلول تقنية تقلل من مخاطر الاعتماد على المناطق الجغرافية المضطربة سياسيا وأمنيا في المنطقة.
وأكد محللون أن الصين قادرة على امتصاص الصدمات الحالية والخروج منها في وضعية أكثر قوة، ذلك أن “التغريدات لا تغير الواقع” الذي يثبت تفوق النموذج الصيني في إدارة أزمات الطاقة وتنويع مصادر الدخل القومي.
وتتحول الصين تدريجيا إلى قطب جاذب للاستثمارات الباحثة عن استقرار تكاليف الطاقة بعيدا عن التقلبات، إذ يعزز هذا التوجه من مكانتها كقوة عظمى قادرة على قيادة التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر والنمو المستدام في العصر الحالي.

