يُعدّ أمجد يوسف أحد ضباط جهاز المخابرات في نظام الأسد بسوريا، وكان يتولى مسؤولية العمليات الأمنية جنوبي دمشق خلال فترة الثورة السورية، ويُتهم بالضلوع في اعتقال وتعذيب وقتل معارضين سياسيين ومدنيين، بينهم نساء وأطفال وكبار سن.
ويواجه يوسف اتهامات بالمسؤولية عن عدد من الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، أبرزها مجزرة حي التضامن عام 2013 في مخيم التضامن جنوبي دمشق.
وقد وثّق مقطع فيديو نشرته صحيفة “الغارديان” (ضمن 27 تسجيلا مصورا) مقتل ما لا يقل عن 41 مدنيا في تلك المجزرة، فيما أفاد سكان الحي بأن عدد الضحايا بلغ 288 شخصا، بينما تشير شهادات أخرى إلى أن عدد القتلى في سلسلة المجازر داخل الحي قد يصل إلى نحو 500 شخص من الرجال والنساء والأطفال.
وتوارى أمجد يوسف عن الأنظار عقب سقوط نظام الأسد، قبل أن تعلن السلطات السورية الجديدة إلقاء القبض عليه في عملية أمنية بريف حماة يوم الجمعة 24 أبريل 2026.
سيرته الذاتية
وُلد أمجد يوسف عام 1986 في قرية نبع الطيب بمنطقة سهل الغاب شمال غربي محافظة حماة، ونشأ في أسرة مكونة من 10 أشقاء.
التحق بأكاديمية الاستخبارات العسكرية في ميسلون عام 2004، وخضع لتدريب مكثف استمر نحو 9 أشهر، قبل أن يبدأ مسيرته في سلك المخابرات العسكرية.
مسيرته في المخابرات العسكرية
بعد تخرجه، تدرج يوسف في المناصب داخل جهاز المخابرات، ليصبح محققا في الفرع 227 بحلول عام 2011، ثم شغل لاحقا منصب نائب رئيس الفرع.
وخلال سنوات الثورة السورية، اتهم بالمسؤولية عن عمليات اعتقال وتعذيب وقتل لمعارضين سياسيين، قبل أن يُنقل إلى العمل الميداني في جنوبي دمشق، حيث تولى قيادة عمليات أمنية وعسكرية في مناطق من بينها التضامن ومخيم اليرموك، واستمر في تلك المهام حتى عام 2021.
كما أشارت تقارير إعلامية، من بينها صحيفة “الغارديان” عام 2022، إلى أنه كان يعمل حينها في قاعدة كفر سوسة العسكرية بدمشق.
مجزرة حي التضامن
وقعت مجزرة حي التضامن في 1 أبريل 2013 في شارع نسرين داخل مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين بدمشق، لكنها لم تُكشف إلا بعد نحو تسع سنوات، عندما نشرت صحيفة “الغارديان” البريطانية في 27 أبريل 2022 مقطعا مصورا حصلت عليه من أحد عناصر ميليشيا موالية للنظام.
وأظهر الفيديو عناصر من جيش النظام وهم يقتادون مدنيين معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي، ويجبرونهم على الركض نحو حفرة كبيرة جرى تجهيزها مسبقا، قبل إطلاق النار عليهم وإعدامهم ميدانيا.
كما وثق الفيديو قيام العناصر بإلقاء بعض الضحايا داخل الحفرة وإطلاق النار عليهم، إضافة إلى حرق الجثث بعد تجميعها، في محاولة لطمس معالم الجريمة.
وبحسب التحقيقات، بلغ عدد الضحايا في هذا المقطع 41 شخصا، بينهم نساء وأطفال وكبار سن، فيما تشير تقديرات أخرى إلى وقوع عشرات الضحايا في مجازر مشابهة داخل المنطقة.
وقد كشفت لاحقا تفاصيل تسريب الفيديو بعد انتقاله عبر أطراف عدة حتى وصل إلى باحثين في “مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية” بجامعة أمستردام، الذين تابعوا القضية لسنوات قبل التوصل إلى هوية المتورطين.
كيف انكشف دوره؟
ظهر وجه أمجد يوسف بوضوح في التسجيل المصور، وهو يشارك في عمليات الإعدام الميداني، قبل أن تكشف تحقيقات لاحقة هويته الكاملة.
وبحسب تحقيق “الغارديان”، تواصلت الباحثة السورية أنصار شحّود معه متخفية، منتحلة شخصية مؤيدة للنظام، وتمكنت من الحصول على اعترافات منه بشأن مشاركته في عمليات قتل، مبررا ذلك برغبة في الانتقام لمقتل شقيقه عام 2013.
كما أشار التحقيق إلى وجود تسجيلات أخرى توثق مجازر مماثلة في الموقع نفسه، يُعتقد أنها أسفرت عن مقتل أكثر من 280 شخصا.
وأكدت الصحيفة أنها اطلعت على تسجيلات إضافية تُظهر عمليات قتل وإحراق جثث، فضلا عن شهادات من زملاء سابقين له تحدثوا عن تورطه في عمليات خطف وقتل بحق مدنيين.
وأكدت الصحيفة أنها اطلعت على مقطع فيديو غير منشور يظهر فيه أمجد يوسف وهو يطلق النار على 6 نساء داخل حفرة “أمام مرأى فرق الموت” التي تعمل تحت إمرته، وبعد انتهاء عملية القتل أشعل النيران في جثث القتيلات داخل الحفرة التي تم ردمها بجرافة، في محاولة لمحو أي أدلة على هذه الجريمة.
كما نقلت عن زميل سابق لأمجد أنه اعترف في مكالمة هاتفية بارتكابه المجزرة، وأكد أن أمجد كان يخطف النساء من شوارع حي التضامن، وكثير منهن اختفين.
وأوضح أنه شاهده وهو يخطف نساء وهن في طوابير الانتظار لشراء الخبز صباحا، مضيفا “كن نساء بريئات، لم يفعلن شيئا، لقد تعرضن إما للاغتصاب أو القتل”.
وأضاف الزميل السابق لأمجد يوسف أن ما يزيد على 12 مجزرة جماعية نفذت في حي التضامن، وأن السكان المحليين على دراية بمواقع ارتكاب تلك الجرائم.
بعد سقوط الأسد
بعد سقوط نظام الأسد يوم 18 ديسمبر 2024، نكأ السوريون جراحهم وبدأوا يبحثون عن مصير المفقودين أثناء الثورة، وهنا عادت مجزرة التضامن من الذاكرة إلى الحاضر، وبدأ البحث عن المتهم بالمسؤولية الأولى عنها أمجد يوسف الذي كان قد توارى عن الأنظار ولم يُعرف له طريق.
وقد سبق سقوط الأسد ملاحقات قضائية لبعض المتهمين بالمجزرة ممن غادروا سوريا، ففي أغسطس 2023 قبضت الشرطة الألمانية على المدعو أحمد الحمروني المتهم بالمشاركة في مجزرة التضامن، والصديق المقرّب من أمجد، بعد 3 أعوام من البحث والتدقيق بالتعاون مع المركز السوري للعدالة والمساءلة.
وبعد سقوط الأسد، بدأت الحكومة السورية الجديدة منذ تأسيسها حملة أمنية لملاحقة عناصر النظام السابق، كما أطلق مواطنون تبرعات شعبية تضمنت جائزة مالية خصصت لمن يتمكن من الوصول إلى مرتكبي مجزرة التضامن، وعلى رأسهم أمجد يوسف.
وعقب العديد من العمليات الأمنية، تمكنت وزارة الداخلية السورية من القبض على عدد من المتورطين في مجزرة حي التضامن، لكن أمجد يوسف ظل متواريا عن الأنظار.
يوم الاعتقال
في صباح الجمعة 24 أبريل 2026 استيقظ السوريون على صور مسرّبة من سيارة أمنية، تظهر رجلا يجلس خائفا في قبضة قوى الأمن وأنفه تنزف دما، مع تعليقات متسائلة: “هل هذا هو أمجد يوسف؟”.
وما لبثت وزارة الداخلية السورية أن أكدت الخبر، معلنة إلقاء القبض على أمجد يوسف المتهم بالمسؤولية الأولى عن مجزرة حي التضامن، وذلك في عملية أمنية نفذتها قوى الأمن الداخلي في ريف حماة، قبل أن تنشر صورة لأمجد وهو في زي السجن.
كشفت وزارة الداخلية السورية أن عملية الاعتقال جاءت بعد أشهر من الرصد والمتابعة الأمنية الدقيقة، التي تكثّفت في مرحلتها الأخيرة قبل نحو شهر من تنفيذ العملية، حين تم تحديد موقعه بشكل تقريبي في قرية نبع الطيب بريف حماة.
وأوضح المتحدث باسم الوزارة أن الأجهزة المختصة نفذت في تلك الفترة محاولات متكررة لتعقّب يوسف وإلقاء القبض عليه، من بينها محاولة جرت في سبتمبر 2025، لكنها لم تكلل بالنجاح.
وأشار إلى أن يوسف كان قد غادر سوريا عقب انكشاف هويته إثر انتشار مقاطع مصوّرة توثق المجزرة، قبل أن يعود لاحقا إلى دمشق، حيث واصل ارتباطه بالأمن العسكري حتى سقوط نظام الأسد. وبعد ذلك، توارى عن الأنظار متنقلا بين مناطق عدة، من بينها ريف القرداحة وسهل الغاب.
المصدر: الجزيرة

