مشيرب – حمدة قشتالي
في لحظة عالمية تتراجع فيها شهية المخاطرة، وتتقلص فيها عائدات الاستثمار، وتعيد فيها المؤسسات المالية حساباتها بعد صدمات متتالية، يعود سؤال “كيف نُموّل النمو؟” إلى الواجهة بقوة. ليس فقط في وادي السيليكون أو نيويورك، بل أيضًا في العواصم الخليجية التي باتت لاعبًا أساسيًا في الأسواق المالية العالمية.
في هذا الإطار، تأتي مقابلة منصة مشيرب مع كيري فيندلي، الشريكة المؤسسة لشركة تاكورا كابيتال الأمريكية، في أول ظهور إعلامي لها عبر وسيلة عربية، لتفتح نقاشًا حول نموذج استثماري أقل صخبًا من رأس المال الجريء التقليدي، لكنه أكثر انضباطًا من حيث إدارة المخاطر، وهو التمويل القائم على الأصول (Asset-Based Finance).
من وول ستريت إلى التمويل المتخصص
بدأت فيندلي مسيرتها المهنية مبكرًا في عالم تحليل القروض والأدوات المالية المعقّدة، حيث عملت في سنّ صغيرة على تقييم سندات فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها خلال الأزمة المالية العالمية. هذه التجربة، كما تقول، شكّلت وعيها المبكر بأهمية فهم المخاطر الحقيقية الكامنة وراء الأرقام، لا الاكتفاء بسرديات النمو.
لاحقًا، وخلال عملها في صندوق التحوّط الشهير ثيرد بوينت Third Point، بدأت تلاحظ تحوّلًا مهمًا في عالم رأس المال الجريء: المستثمرون باتوا يمولون شركات تعمل في مجالات لم تكن تاريخيًا جزءًا من “اللعبة”، مثل الإقراض، والتأمين، والخدمات المالية الرقمية. لكن في المقابل، كانت البنوك التقليدية مترددة في تمويل هذه الشركات.
من هنا، وُلدت فكرة تاكورا كابيتال Tacora Capital عام 2021: توفير تمويل ديون منضبط لشركات ناشئة تمتلك أصولًا حقيقية، بدل الاعتماد فقط على جولات تمويل جديدة أو على تقييمات مستقبلية غير مؤكدة.
ما هو التمويل القائم على الأصول؟ بلغة بسيطة
تشرح فيندلي أن الفرق الجوهري بين ما تقوم به تاكورا وبين الديون الجريئة التقليدية (Venture Debts)، يكمن في مصدر الأمان.
في الديون الجريئة المعتادة، يعتمد المُقرض بشكل كبير على هوية المستثمرين في الشركة واحتمال نجاح جولة تمويل مستقبلية، ما يمثل “القصّة” العامة للنمو. أما في نموذج تاكورا فالأمر مختلف، التمويل يُبنى على أصول قائمة مثل محافظ قروض، عقود تأجير، ذمم مدينة، أو متطلبات رأسمال تنظيمية. ولا يتم ضخّ المبلغ دفعة واحدة، بل ينمو التمويل مع نمو الأصول نفسها، أي أنه في حال تعثّر الشركة، فسيكون الدين مضمونًا بالأصول، لا بوعود جولة تمويل قادمة. وببساطة، تقول فيندلي: “نحن لا نراهن على أن يأتي مستثمر آخر لإنقاذ الصفقة. نحن نعتمد على ما هو موجود بالفعل.”
متى لا يكون هذا النوع من التمويل مناسبًا؟
رغم دفاعها عن هذا النموذج، تؤكد فيندلي أن التمويل القائم على الأصول ليس مناسبًا لكل الشركات. فهو لا يناسب الشركات التي لا تمتلك أصولًا مالية واضحة أو نماذج الأعمال التي تعتمد فقط على النمو السريع دون تدفقات نقدية، كما لا يناسب هذا النموذج الشركات في مراحل مبكرة جدًا قبل أن تشكّل قاعدة أصول مستقرة، ولهذا، تتركز استثمارات تاكورا بشكل أساسي في شركات التكنولوجيا المالية (Fintech) والتأمين الرقمي (Insurtech)، حيث تكون الأصول جزءًا جوهريًا من النشاط.
تاكورا بالأرقام… ولكن دون ضجيج
أطلقت تاكورا صندوقها الأول عام 2022، واستثمرت عبره في 18 شركة. هذه التجربة، بحسب فيندلي، كانت مختبرًا عمليًا لتأكيد الفرضية الأساسية: أن الجمع بين العائد الثابت من الديون، والاختيار الذكي لخيارات الملكية (Equity Upside)، يمكن أن يحقق توازنًا نادرًا بين الاستقرار والفرص.
في الصندوق الثاني نهاية عام 2024، جمعت تاكورا 685 مليون دولار, رغم أن هدفها الآصلي كان 500 مليون، وتوسّعت قاعدة المستثمرين بشكل ملحوظ، لتشمل جامعات مرموقة، صناديق تقاعد، مكاتب إدارة ثروات، ومكاتب عائلية، ما قلّل من الاعتماد على مستثمر واحد، رغم استمرار العلاقة الإيجابية مع المستثمر الداعم الأول بيتر ثيل مؤسس منصة باي بال، والذي استثمر 250 مليون دولار من أصل 350 مليون جمعتها تاكورا في الجولة الأولى.
ماذا عن رأس المال الخليجي؟ متحفظ أم مغامر؟
عند سؤالها عن رؤيتها لرأس المال الخليجي والتفكير في دعم المشاريع التي تنبع من المنطقة العربية، كانت فيندلي حذرة وصادقة في آن واحد، حيث بينت أن تاكورا لم تبدأ بعد تسويقًا مباشرًا واسعًا في المنطقة، لكنها ترى مؤشرات أولية مشجعة وقالت:
في وقتٍ تتباطأ فيه عوائد رأس المال الجريء عالميًا، وتطول فيه فترات الانتظار قبل التخارج، تبحث مؤسسات في مناطق مختلفة من العالم بما في ذلك الخليج العربي عن أدوات تدرّ عائدًا معقولًا دون تجميد رأس المال لسنوات طويلة. وهنا، قد يشكّل التمويل القائم على الأصول حلًا وسطًا جذابًا: استرداد جزء كبير من الاستثمار خلال فترة أقصر حيث لا تتجاوز مدة السداد عادة سنة ونصف، مع الإبقاء على فرص الاستفادة من النمو المستقبلي.
وفي النهاية ليست تاكورا كابيتال قصة “شركة أمريكية تجيد إدارة رؤوس أموال المستثمرين” بقدر ما هي نموذج تفكير مختلف حول كيفية مواءمة العائد مع الانضباط. في منطقة تتجه فيها الاستثمارات نحو تنويع المحافظ، وبناء أدوات تمويل أكثر نضجًا، قد يكون هذا النوع من النماذج جزءًا من النقاش القادم. والأهم أن ندرك بأن الطموح الاستثماري لا يعني بالضرورة مخاطرة عالية، وأن التحفظ لا يعني بالضرورة جمودًا. أحيانًا، يكون الاستثمار الأكثر عقلانية هو ذاك الذي يعرف حدوده بوضوح.

