تشير التحليلات الصادرة عن مؤسسات مالية كبرى مثل “دويتشه بنك” و”جي بي مورغان” إلى أن الذهب لم يصل بعد إلى ذروته السعرية.
وتتراوح التوقعات لعام 2026 بين 6000 و6900 دولار للأوقية، بينما تذهب سيناريوهات أكثر تفاؤلا إلى مستويات أعلى بكثير بحلول عام 2029 إذا استمرت وتيرة “إلغاء الدولرة” (De-dollarization) من قبل البنوك المركزية العالمية.
ويعد لجوء دول كبرى مثل الصين وروسيا إلى تكديس الذهب وتنويع احتياطياتها بعيدا عن الأصول المقومة بالدولار أساسا هيكليا قويا للصعود طويل الأجل.
ورغم احتمالية حدوث موجات تصحيحية وجني أرباح، كما حدث في نهاية يناير 2026، إلا أن الاتجاه العام يظل صاعدا بقوة نتيجة انهيار ملامح النظام الاقتصادي الذي ساد في القرن العشرين وبروز نظام جديد قيد التشكل.
وجاء تصحيح الذهب بعد أن شهد انطلاقة استثنائية مع بداية عام 2026، حيث تجاوزت الأسعار حاجز 5500 دولار للأوقية للمرة الأولى في التاريخ، محققة نموا فاق 75% منذ تسلم الرئيس دونالد ترامب السلطة في ولايته الثانية.
ويعود هذا الارتفاع الحاد إلى مزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، أبرزها التهديد بفرض تعريفات جمركية شاملة على واردات دول كبرى، والتوترات المتعلقة بملف جزيرة “غرينلاند”، بالإضافة إلى حالة عدم اليقين التي سادت الأسواق حيال استقلالية البنك المركزي الأمريكي.
ودفعت هذه الظروف المستثمرين والمؤسسات الكبرى نحو الذهب كأصل استراتيجي وحيد قادر على حفظ القيمة في ظل تراجع الثقة في استقرار النظام المالي التقليدي.
سياسة “يوم التحرير” الجمركي
وساهمت القرارات المالية التي اتخذتها الإدارة الأمريكية، والمتمثلة في فرض رسوم جمركية عدوانية تراوحت بين 10% و50%، في زعزعة أركان منظمة التجارة العالمية والقواعد المعمول بها منذ عقود.
وأدى هذا التحول نحو “الحمائية” إلى إضعاف الدولار أمام العملات الرئيسة، مما وفر وقودا إضافيا لصعود الذهب.
ومع إعلان حالة الطوارئ الوطنية لمعالجة العجز التجاري، وتصاعد الخلافات مع الحلفاء في أوروبا وكندا، تعززت مكانة المعدن النفيس كـ “ملاذ آمن” يلمع كلما اشتدت الأزمات السياسية والاقتصادية، وهو ما يفسر الأداء القياسي الذي شهده شهر يناير من عام 2026.
الاحتياطي الفيدرالي وصراع السيطرة على الفائدة
تمثل محاولات الإدارة الأمريكية للسيطرة على قرارات الاحتياطي الفيدرالي تحولا جوهريا في السياسة النقدية.
ومع ترشيح “كيفين وارش” لرئاسة البنك المركزي خلفا لـ “جيروم باول”، تتزايد التوقعات بتبني سياسة نقدية تيسيرية تهدف إلى خفض سريع لأسعار الفائدة لتحفيز النمو.
وتاريخيا، تؤدي بيئة الفائدة المنخفضة إلى زيادة جاذبية الذهب، نظرا لأنه أصل لا يدر عائدا دوريا، وبالتالي تنخفض تكلفة الفرصة البديلة لحيازته مقابل السندات.
هذا التوجه نحو تسييس السياسة النقدية يثير مخاوف من ارتفاع معدلات التضخم، مما يجعل الذهب الخيار الأول للتحوط ضد تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية في عام 2026 وما يليه.

