خلص تقرير لمؤسسة “فيتش سوليوشنز”، أن جاذبية دول مجلس التعاون الخليجي تزداد كسوق مستهدف قادر على دفع عجلة النمو في ظل التحديات المستمرة التي يواجهها قطاع الرفاهية العالمي نتيجة انخفاض الطلب وحساسية الأسعار.
وقال التقرير، إن العدد الكبير نسبيا من الأفراد ذوي الثروات العالية في المنطقة، إلى جانب النمو القوي في الدخل والقدرة الشرائية، يساهم في تعزيز الإنفاق الأسري وزيادة الطلب على المنتجات المتميزة.
وأضاف: “كما يُعزز نمو السياحة في الأسواق الرئيسة جاذبية المنطقة لدى المستهلكين من خارج المنطقة”.
وأشار إلى أن الأداء القوي للعلامات التجارية الفاخرة في الشرق الأوسط يؤكد إلى جانب خطط التوسع الاستراتيجية لتجار التجزئة المتميزين، على الأهمية البالغة للمنطقة.
ولفت إلى أن افتتاح المتاجر الرئيسة في مدن دول مجلس التعاون الخليجي أدت إلى تغير الأولويات الجغرافية لقطاع الرفاهية.

آمال كبيرة
وقالت فيتش، إنه بالنظر إلى تباطؤ قطاع الرفاهية العالمي، تُعيد العلامات التجارية الفاخرة تصميم علاماتها التجارية لتلبية متطلبات المستهلكين المتغيرة.
وعلى الرغم من بعض التحسينات الأخيرة في النتائج المالية للربع الثالث لعلامات تجارية مثل LVMH وKering، مدفوعة جزئيا ببعض التحسينات في الصين، تتوقع solutions fitch انخفاضا في الطلب في السوق على المدى القريب، مما يشير إلى استمرار التحديات التي تواجه القطاع، بما في ذلك حساسية الأسعار السائدة.
وفي خضم هذه التحديات، تعتمد دور الأزياء الفاخرة بشكل متزايد على دول مجلس التعاون الخليجي لتعويض ضعف أسواق المستهلكين في الولايات المتحدة والصين.
وتحدد فيتش، دول مجلس التعاون الخليجي كسوق محتملة لشركات صناعة الساعات السويسرية التي تواجه تحديات في الطلب نتيجة للتعريفات الأمريكية، مما يؤكد قوة السوق.
نمو القدرة الشرائية
وتتميز أسواق دول مجلس التعاون الخليجي بوجود شريحة كبيرة ومتنامية من الأفراد ذوي الثروات العالية، مما يجعل المنطقة سوقا مستهدفا جذابا لتجار التجزئة المتخصصين في المنتجات الفاخرة.
وبالنظر إلى الزيادة بالدولار، فإن بعضا من أكبر الزيادات المتوقعة في متوسط الدخل المتاح للفرد في دول مجلس التعاون الخليجي ستكون كالآتي:
- دولة قطر في المقدمة بمعدل 4.3% سنويا خلال السنوات الخمس المقبلة (2026-2030).
- المملكة العربية السعودية بمعدل 4% سنويا.
- دولة الكويت بنسبة 3% سنويا.
يدعم هذا النمو القوي تحسن القدرة الشرائية خلال هذه الفترة، مما سيدفع إلى التوجه نحو المنتجات الفاخرة، لا سيما في الأسواق المعروفة بوجود شريحة كبيرة من المستهلكين الأثرياء.
وبالمثل، يتزايد أيضا عدد الأسر التي يزيد دخلها السنوي المتاح عن 75 ألف دولار (وهي أعلى شريحة دخل) في جميع أنحاء المنطقة على المدى المتوسط.
بحسب فيتش، ستضم دولة قطر أكبر نسبة من الأسر ذات الدخل الذي يزيد عن 75 ألف دولار، إذ ستشكل هذه الشريحة أكثر من نصف إجمالي الأسر أي ما نسبته (61.6%) في عام 2029.
وستكون الإمارات العربية المتحدة في المرتبة الثانية بنسبة 57.1% من إجمالي الأسر في عام 2029.
وفي المملكة العربية السعودية، ستشكل هذه الشريحة 39.8% من إجمالي الأسر في عام 2029.
وفي البحرين، ستزيد نسبة الأسر التي يزيد دخلها عن 75 ألف دولار عن 31.3% بحلول عام 2029.
وعلى الرغم من صغرها، إلا أن نسبة أصحاب الدخل المرتفع في الكويت آخذة في النمو، حيث سترتفع من 8.3% من إجمالي الأسر التي يزيد دخلها عن 75 دولارا في عام 2025 إلى 9.7% بحلول عام 2029.
علاوة على ذلك، تشكل نسبة كبيرة من الأسر (تبلغ 19.9%)، شريحة الدخل التي تزيد عن 50 ألف دولار في عام 2029، مما يشير إلى رغبة متزايدة في شراء سلع أغلى ثمنا في هذا السوق أيضا.
وباستثناء سلطنة عُمان (لعدم توفر بيانات مقارنة)، شهدت جميع أسواق دول مجلس التعاون الخليجي، باستثناء المملكة العربية السعودية، تعافي القدرة الشرائية للأسر المتوسطة فيها، بل وتجاوزها، لمستويات ما قبل الجائحة.
ومع ذلك، ورغم تأخرها، تقترب المملكة العربية السعودية من التعافي بحلول عام 2026. وبحلول عام 2029، ستشهد قطر أكبر نمو في القدرة الشرائية، متجاوزة مستويات ما قبل الجائحة بنسبة تقارب 54%، تليها الإمارات العربية المتحدة بنسبة 37%.
وستشهد البحرين والكويت نموا في القدرة الشرائية بنسبة 24% و16% على التوالي، مقارنة بعام 2019. أما المملكة العربية السعودية فستشهد نموًا أقل في القدرة الشرائية، بنسبة 8%، بحسب توقعات فيتش.

إنفاق الأسر
بحسب تقديرات Solutions Fitch في عام 2026، ستشهد دول مجلس التعاون الخليجي نموا ملحوظا في الإنفاق الأسري بنسبة 5.9% على أساس سنوي، ليصل إجمالي قيمة الإنفاق إلى تريليون دولار خلال العام.
ويمثل هذا تباطؤا طفيفا مقارنة بمعدل النمو البالغ 7.5% على أساس سنوي الذي سُجّل في عام 2025، ولكنه يأتي في ظل عودة أنماط الإنفاق إلى طبيعتها بعد فترة التأثر التي أعقبت جائحة كورونا.
ومع ذلك، يبقى نمو الإنفاق قويا. بين عامي 2026 و2030، سيواصل إجمالي الإنفاق الأسري في المنطقة مساره التصاعدي القوي، بمتوسط 5% سنويا، من تريليون دولار في عام 2026 إلى 1.2 تريليون دولار في عام 2030، مدفوعا بشكل رئيس بالزيادة المذكورة في الدخل.
ومع هذا النشاط الاستهلاكي المتزايد، نتيجة تعزيز القدرة الشرائية وتنامي توجه المستهلكين نحو المنتجات الفاخرة، من المتوقع أن ينتقل جزء كبير من الإنفاق إلى مشتريات أكثر فخامة ضمن مختلف فئات الإنفاق الاستهلاكي، مع ارتقاء المستهلكين إلى مستويات سعرية أعلى.
برادا: نمو الطلب الإقليمي
وفي السياق، أعلنت دار الأزياء الفاخرة برادا عن نمو في مبيعات التجزئة في منطقة الشرق الأوسط، مما يؤكد تزايد الإقبال على السلع الفاخرة بوتيرة متسارعة.
وخلال عام 2024 (آخر البيانات السنوية المتاحة)، نمت إيرادات برادا في الشرق الأوسط بنسبة 26% على أساس سنوي.
وخلال النصف الأول من عام 2025، نمت مبيعات التجزئة لبرادا في الشرق الأوسط بنسبة 24% إضافية على أساس سنوي (وفقا لأسعار الصرف المعلنة) مقارنة بالنصف الأول من عام 2024.
وفي أحدث البيانات الفصلية المتاحة (أكتوبر 2025)، واصلت مبيعات التجزئة في الشرق الأوسط تسجيل نمو قوي، بنسبة 18% على أساس سنوي، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 مقارنةً بالأشهر التسعة الأولى من عام 2024.
وتجاوز نمو النصف الأول من عام 2025 والنمو التراكمي منذ بداية العام في الشرق الأوسط جميع المناطق الأخرى، ويعود ذلك بشكل رئيس إلى صغر حجم المبيعات نسبيًا وعدم نضوج السوق بعد مقارنة بالمناطق الأخرى.
مع ذلك، فإن هذا يدعم وجهة نظر “فيتش” بأن منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، على وجه الخصوص، لا تزال تشهد نموا نسبيا، بينما تعاني مناطق أخرى من الركود.
وللمقارنة، خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، سجلت منطقة الأمريكيتين ثاني أسرع نمو بنسبة 11%، بينما لم تتجاوز نسبة النمو في منطقتي “آسيا والمحيط الهادئ” وأوروبا 7% و4% على التوالي.
وتُشير هذه الفروقات الإقليمية إلى الإمكانات الكامنة في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي في دول مجلس التعاون الخليجي، لنمو العلامات التجارية الفاخرة، كما تُعزز رغبة المستهلكين الحالية في الإنفاق على المنتجات الفاخرة.

زيادة المتاجر الفاخرة
بينما تتمتع العلامات التجارية الفاخرة الكبرى بحضور قوي في العديد من مدن منطقة الخليج، لاحظت Solutions Fitch توجه علامات تجارية أصغر وأكثر تخصصًا، لا سيما في قطاع المنتجات الفاخرة، نحو أسواق متعددة في دول مجلس التعاون الخليجي.
ففي نوفمبر 2025، أعلنت علامة المجوهرات الإيطالية الفاخرة “فيري فيرينزي” عن خطط لافتتاح متجرها الثاني في الشرق الأوسط بحلول يونيو 2026، إلى جانب تنظيم فعاليات في مدن مثل الرياض وأبوظبي، والتخطيط لمزيد من الفعاليات المماثلة في عام 2026، بما في ذلك فعاليات في الكويت.
وتتراوح أسعار منتجات “فيري فيرينزي” بين 3000 يورو (3400 دولار) و35000 يورو (40000 دولار). ويُعزز هذا الحضور القوي في المنطقة مكانة دول مجلس التعاون الخليجي كوجهة رئيسة لتجار التجزئة الفاخرة.
وبالمثل، افتتحت علامة العطور الفرنسية الفاخرة “بي دي كيه” متجرها الثاني في منطقة الخليج، بعد افتتاح متجرها الرئيس في باريس، في عام 2026، مما يُعزز جاذبية المنطقة لتجارة التجزئة الفاخرة، كما افتتحت علامة جيل ساندر التجارية الفاخرة أول متجر رئيس لها في الشرق الأوسط عام 2025 مع خطط للتوسع إلى مواقع إقليمية أخرى مستقبلا.
وجهة سياحية فاخرة
بعد الجائحة، أصبحت العديد من مدن دول مجلس التعاون الخليجي مرادفة للفخامة والثراء، ما جذب السياح الأثرياء والمقيمين الأجانب إلى المنطقة.
دولة قطر التي تُعد من بين أبرز الوجهات السياحية الفاخرة في المنطقة، فستشهد أكبر تدفق سياحي بالمنطقة، حيث سينمو عدد السياح الوافدين بمعدل سنوي متوسط قدره 5.5% من 5.8 مليون وافد في عام 2025 إلى 6.6 مليون وافد في عام 2029، وستنمو عائدات السياحة الدولية بنسبة 6.5% من 24.4 مليار دولار إلى 30.7 مليار دولار.
ويشير هذا النمو إلى إمكانات واعدة لتجار التجزئة في قطاع المنتجات الفاخرة، تتجاوز نطاق الأسر المحلية في هذه الأسواق.
علاوة على ذلك، لاحظ باحثو Solutions Fitch نمو قطاع السياحة في قطر، والذي يرسم مسارًا جديدًا حتى عام 2029.
وقد ساهم في ذلك، العديد من التطورات السوقية في قطاع السياحة، بما في ذلك تطوير المنتجعات مثل Banana Island Resort Doha وتديره شركة أنانتارا، وإطلاق Banana Island Adventure Park المميز بإطلالات خلابة على أفق الدوحة والخليج العربي في فبراير من العام 2025.
وتتماشى هذه التطورات مع تزايد طلب المستهلكين على التجارب المميزة، والاتجاهات الحديثة مثل “الإقامة الفاخرة”، والتي تتمثل في قيام المسافرين بحجز إقامة قصيرة وفاخرة في بداية أو نهاية عطلتهم الرئيسة للاستمتاع بهذه التجربة.
وستشهد المملكة العربية السعودية نموا سنويا متوسطا بنسبة 4.3% في عدد السياح الوافدين، بينما ستنمو عائدات السياحة بنسبة 3.2%، من 23.9 مليار دولار في عام 2025 إلى 26.6 مليار دولار في عام 2029.
وستشهد الإمارات نموا متوسطا في عدد السياح الوافدين بنسبة 3.8% سنويا على مدى السنوات الخمس المقبلة، بينما ستنمو عائدات السياحة الدولية خلال الفترة نفسها بنسبة 3% سنويا بالدولار. بحلول عام 2029، سيبلغ إجمالي الإنفاق السياحي في الإمارات 44.8 مليار دولار، مقارنةً بـ 24.6 مليار دولار المسجلة في عام 2019.

أبعد من الأزياء
في السنوات الأخيرة، برز مفهوم تحويل مفهوم “العافية” إلى تجربة فاخرة كتوجه سائد، وأصبحت دول مجلس التعاون الخليجي سوقا مستهدفا لهذا التوجه.
وتساهم المشاريع الفاخرة للغاية في المملكة العربية السعودية، والمنتجعات البيئية في سلطنة عُمان (مثل التخييم الفاخر)، التي تهدف إلى تعزيز ممارسات العافية كالانقطاع عن التكنولوجيا والعلاجات التقليدية، في نمو السياحة الفاخرة القائمة على التجارب في المنطقة.
كما تجذب الابتكارات في قطاع التجميل، من خلال عيادات راقية تقدم خدمات العناية بالبشرة الشخصية، وبروتوكولات العافية، والتشخيصات المتقدمة، والتي غالبا ما تُقدم في منتجعات فاخرة، الأفراد ذوي الثروات الكبيرة من جميع أنحاء العالم، مما يُسهم في نمو سوق السياحة الفاخرة، الذي يتجاوز نطاق الأزياء.

