عندما نتابع تطور الذكاء الاصطناعي في العالم، نقف عادةً أمام أقطاب واضحة: الولايات المتحدة بنماذج ChatGPT وGemini وGrok، والصين بنماذج DeepSeek ومنصات علي بابا وبايدو. “معسكران” يتنافسان على ابتكار أقوى النماذج، وبناء أكبر مراكز البيانات، ودفع حدود الحوسبة إلى أقصى درجاتها.
لكن ما يغيب عن بال الكثيرين هو أن هذا السباق الضخم، بكل ما فيه من عمالقة وقدرات، يقف في جوهره على تقنية تتحكم فيها، بدرجة شبه احتكارية، شركة واحدة في دولة أوروبية صغيرة. شركة لا تطوّر نماذج ذكاء اصطناعي، ولا تملك مراكز بيانات هائلة، لكنها تتحكم في الركن الأكثر حساسية في الصناعة: التكنولوجيا التي تُصنع بها الرقائق المتقدمة نفسها.
هذه الشركة هي ASML الهولندية، الاسم الذي أصبح اليوم حجر الأساس لصناعة أشباه الموصلات عالميًا، وبالتالي حجر الأساس لكل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.
تقنية فريدة
تلعب شركة ASML دورًا فريدًا لا ينافسها فيه أحد. فهي المورّد الوحيد لأنظمة الطباعة الضوئية المتقدمة EUV، وهي التكنولوجيا التي تسمح بنقش أدق الدوائر الإلكترونية على رقائق السيليكون. ومن دون هذه التقنية، لا يمكن تصنيع الجيل الأحدث من الشرائح عالية الأداء (مثل H100، A17 Pro، شرائح 3–5 نانومتر).
وتعتمد أكبر شركات تصنيع الرقائق – من سامسونغ إلى إنتل- اعتمادًا شبه كامل على آلات ASML لتطوير الأجيال الجديدة من المعالجات. فشرائح إنفيديا التي تشغل نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة، وشرائح آبل المتقدمة، ومعالجات إنتل وAMD؛ جميعها تبدأ رحلتها داخل معدات صنعتها ASML.
تعتمد تقنية الشركة على هندسة فريدة تتمثل في إنتاج ضوء بطول موجي فائق القصر عبر بلازما القصدير، وتوجيهه بمرايا متناهية الدقة، ثم طباعة طبقات مجهرية على سطح السيليكون.
وقد تتجاوز قيمة آلة واحدة من هذه الفئة 200 مليون دولار، وتزن نحو 180 طنًا، وتُنقل في عشرات الحاويات وعلى متن طائرات شحن عملاقة عدة

أكبر شركة تكنولوجيا في أوروبا
هذا الاحتكار الفعلي لتقنية EUV التي لا يملك العالم بديلًا عمليًّا مكافئًا لها في تصنيع الشرائح المتقدمة، جعل شركة ASML تتحول إلى عنصر رئيس في السياسة الدولية، ولاعبًا غير مباشر في صراع التكنولوجيا بين أكبر قوتين في العالم. فالولايات المتحدة تضغط منذ سنوات لمنع الشركة من بيع أحدث تقنياتها إلى الصين، بينما تسعى بكين لتعويض الفجوة عبر تطوير حلول محلية.
وبفعل هذه القيود لم تتمكن الشركات الصينية من الحصول على آلات EUV منذ 2019 تقريبًا، كما فُرضت قيود لاحقة على بعض آلات DUV المتقدمة.
من الناحية الاقتصادية، أصبحت ASML أكبر شركة تكنولوجية في أوروبا، بقيمة سوقية تتجاوز 400 مليار دولار في 2025، وتواصل توسّعها مع ارتفاع الطلب العالمي على الشرائح اللازمة للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

