أعلنت منظمة الصحة العالمية عن حالة من الاستنفار الصحي الدولي إثر رصد تفش وبائي يشتبه في كونه فيروس هانتا على متن سفينة الرحلات السياحية “إم في هونديوس” أثناء إبحارها في مياه المحيط الأطلسي، مما أسفر عن وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين حتى الآن.
وتفيد التحقيقات الأولية بأن السفينة التي ترفع علم هولندا كانت قد انطلقت من الأرجنتين في رحلة عابرة للمحيط باتجاه الرأس الأخضر، قبل أن تضطر للرسو في العاصمة برايا لبدء إجراءات الاستجابة الطارئة وعزل المصابين، بينما لا يزال أحد المرضى يرقد في حالة حرجة داخل وحدة العناية المركزة في جنوب أفريقيا، وسط تنسيق دولي مكثف لإجلاء ركاب آخرين تظهر عليهم علامات الإصابة بالعدوى.
طبيعة الفيروس وآليات الانتقال الصامت
ويصنف فيروس هانتا كمرض حيواني المنشأ ينتقل من الحيوانات إلى البشر، وتحديدا عبر القوارض التي تعد المستودع الطبيعي والناقل الرئيس لهذا الفيروس، حيث تحدث العدوى عادة عندما يصبح الفيروس عالقا في الهواء نتيجة تطاير جزيئات ملوثة ببول القوارض أو فضلاتها أو لعابها، ومن ثم استنشاقها من قبل الإنسان في عملية تعرف بالتذرية الهوائية.
ويؤكد الخبراء في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أن الفيروس لا ينتقل في الغالب بين البشر، إلا أن ظهوره في بيئة مغلقة ومنعزلة كالسفن السياحية يثير مخاوف جدية حول احتمالية وجود تلوث في مخازن الغذاء أو وجود قوارض مصابة داخل مرافق الشحن بالسفينة، وهو ما تسعى التحقيقات الوبائية الجارية لتحديده بدقة، خاصة وأن فئران الغزلان تعد الناقل الأكثر شيوعا لهذا النوع من الفيروسات في القارة الأمريكية.
المسار السريري وتطور الأعراض الحرجة
وتتخذ الإصابة بالفيروس مسارا سريريا يبدأ بأعراض مبكرة تشبه إلى حد كبير نزلة البرد الحادة، حيث يعاني المصاب من حمى مستمرة وصداع وفقدان للشهية وآلام في العضلات مع شعور عام بالإعياء وقيء، لتدخل الحالة بعد ذلك في مرحلة أكثر خطورة تظهر بعد مرور ثلاثة إلى ستة أيام من الإصابة.
ويظهر في الحالات المتقدمة نزيف داخلي وانخفاض حاد في ضغط الدم، بالإضافة إلى مضاعفات كلوية تظهر عبر وجود بروتين في البول وانخفاض كبير في كمية البول المفرزة، أو قد يتطور الأمر إلى متلازمة رئوية حادة تسبب ضيقا شديدا في التنفس وفشلا رئويا، وهي مضاعفات تتسم بنسبة فتك مرتفعة قد تصل في بعض السلالات إلى نحو 38%، مما يتطلب رعاية طبية فائقة وفورية داخل وحدات العناية المركزة.
الجذور التاريخية والتحديات البيئية الراهنة
وتاريخيا، تم التعرف على هذا الفيروس لأول مرة خلال الحرب الكورية في الخمسينيات من القرن الماضي، لكنه ظل محدود الانتشار جغرافيا قبل أن تظهر سلالات منه في القارة الأمريكية في التسعينيات.
وتكمن خطورة الموقف الحالي في أن السفينة السياحية تمثل بيئة حاضنة قادرة على نقل الفيروس عبر مسافات طويلة بين القارات، مما يجعل مراقبة سلاسل الإمداد الغذائي وإجراءات النظافة البحرية في صدارة الأولويات الصحية.
وتشير التقارير إلى أن الفيروس يمتلك قدرة على البقاء نشطا في فضلات القوارض لعدة أيام حتى في درجات الحرارة العادية، مما يعزز من احتمالية استمرار خطر العدوى داخل السفينة ما لم يتم إجراء عمليات تطهير كيميائي واسعة النطاق للممرات والمناطق المخفية.
إجراءات الاحتواء والرقابة الوبائية الدولية
وفي ضوء هذه التطورات، تعمل منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع السلطات الصحية في الرأس الأخضر وجنوب أفريقيا على تتبع الخريطة الوبائية للركاب والمخالطين، مع التركيز على تحديد مصدر العدوى الأصلي وما إذا كان مرتبطا بميناء المغادرة في الأرجنتين أو نتيجة تسلل قوارض مصابة خلال توقف السفينة في مواني أخرى.
وتشدد المنظمة الدولية على ضرورة اتباع بروتوكولات صارمة في تطهير السفن ومكافحة القوارض، مؤكدة أن الرقابة الصحية ستمتد لتشمل مراقبة المسافرين كافة لفترة حضانة الفيروس التي قد تصل إلى ثمانية أسابيع، لضمان السيطرة الكاملة على هذا التفشي ومنع انتقاله إلى المواني والمناطق السكنية البرية، خاصة وأن الفيروس لا يوجد له لقاح محدد أو علاج متخصص حتى الآن، مما يجعل الوقاية والحجر الصحي هما الوسيلة الوحيدة لمنع وقوع كارثة صحية أوسع.

