لماذا تحولت دمية لابوبو إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية؟

labubu


لم تعد الدمى مجرد ألعاب تقليدية للأطفال، بل تحولت إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية تتجاوز حدود الترفيه، فتثير جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي وفي أوساط المهتمين بالفن، والنفس، والثقافة الشعبية.

فمن دمية “لابوبو” ذات الابتسامة الغريبة والأسنان المدببة التي اجتاحت الإنترنت مؤخرا، إلى دمى “ريبورن” الواقعية في البرازيل التي تشبه الرضّع تماما، مرورا بـ”باربي” التي أعادت تعريف الأنوثة وأثرت في قيم المجتمع، أصبحت الدمى اليوم نافذة لفهم مشاعر وتعقيدات الإنسان المعاصر.

قصة دمية لابوبو

في عام 2015، ابتكر الفنان الصيني كاسينغ لونغ شخصية “لابوبو” ضمن مجموعة من الوحوش المستوحاة من الأساطير الإسكندنافية، حيث تميزت هذه الدمية بقوامها القطني القصير، وعينيها الكبيرتين، وابتسامتها الغريبة التي تحمل في طياتها مزيجا من البراءة والرعب.

رغم أن “لابوبو” ظلت لفترة محدودة مجسما فنيا محصورا بين هواة الجمع، إلا أن عام 2024 شهد انفجارا مفاجئا في شعبيتها، عندما نشرت عدد من نجمات عالميات مثل دوا ليبا وريهانا، بالإضافة إلى ليزا من فرقة “بلاك بينك”، صورا لهن يحملن هذه الدمية، مما جعلها تتحول إلى هوس اجتماعي عالمي، وأيقونة ثقافية تمثل حالة “اللا مألوف الظريف” التي تثير الانتباه والفضول في آن واحد.

قفزة كبيرة في أرباح الشركة الصينية المصنعة لدمى "لابوبو"

دمية “ريبورن

تنتشر في البرازيل بشكل متزايد ظاهرة اقتناء دمى “ريبورن”، وهي دمى مصنوعة بدقة عالية من السيليكون أو الفينيل، تتميز بتفاصيل واقعية مدهشة، من أوردة مجسدة على الجلد إلى دموع اصطناعية، بل إن بعضها قادر على الرضاعة والتبول، ويصل سعر بعضها إلى آلاف الدولارات.

هذه الظاهرة، التي بدأت كهواية محصورة بين جامعي الدمى، تحولت إلى ترند ضخم على مواقع التواصل، حيث يُظهر الناس في مقاطع الفيديو مدى العناية التي يبدونها لهذه الدمى، كإطعامها، وحملها، وحتى اصطحابها إلى المستشفيات.

وأثار هذا السلوك تساؤلات كثيرة حول الأبعاد النفسية والاجتماعية، حتى وصل الأمر إلى البرلمان البرازيلي، حيث طرحت مشاريع قوانين تقترح توفير دعم نفسي لمقتني هذه الدمى، أو فرض عقوبات على من يستغلونها لتجاوز الطوابير عبر تقديمها كأطفال حقيقيين.

في خطوة رمزية، أقرت ريو دي جانيرو إنشاء “يوم اللقلق” لتكريم الحرفيين الذين يصنعون هذه الدمى، تعبيرا عن مدى تعمقها في الثقافة المحلية.

لماذا تحولت دمية لابوبو إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية؟
دمية ريبون

دمية باربي

لا يمكن الحديث عن الدمى دون ذكر “باربي”، التي تعتبر الأبرز على الإطلاق، والتي صممتها روث هاندلر عام 1959، حيث استوحتها من شخصية ألمانية تدعى “بيلد ليلي”، وظهرت لأول مرة على أرفف المتاجر مع مجموعة من الأزياء المنفصلة القابلة للشراء، مما أحدث ثورة في عالم الألعاب.

وخلال أكثر من 65 عاما، أدت باربي أكثر من 250 مهنة مختلفة، تجاوزت حدود عارضة الأزياء لتشمل رائدة فضاء، ورياضية أولمبية، وجنية أسنان، ورئيسة للولايات المتحدة، كما تبنت الشركة المنتجة “ماتيل” في السنوات الأخيرة قيم التنوع والشمول، فظهرت نماذج متنوعة من حيث العرق، وشكل الجسم، والمهن.

في 2023، خاضت باربي أولى تجاربها السينمائية الحية بفيلم من إخراج غريتا غيرويغ، رغم الجدل الكبير الذي أثاره الفيلم، ورفضت بعض الدول عرضه، مما أثار نقاشا عالميا حول الهوية والجمال، وتمثيل المرأة في وسائل الإعلام.

لماذا تحولت دمية لابوبو إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية؟
دمية باربي

دمية “بلايث”

دمية “بلايث” برأسها الكبير وعيونها التي تتغير ألوانها ليست مجرد لعبة، بل قصة نجاح فنية ملهمة، أطلقت عام 1972 من قبل أليسون كاتزمان، لكنها فشلت تجاريا وتم سحبها، قبل أن تعود للظهور بفضل المصورة جينا غاران التي التقطت لها مئات الصور ونشرت كتابا بعنوان This Is Blythe حقق نجاحا عالميا.

في عام 2001، حصلت شركة “تاكارا” اليابانية على ترخيص إعادة إنتاجها، وبدأت دمية بلايث تأسر القلوب مجددا، حيث تحولت إلى تحفة فنية ومصدر إلهام لكبار مصممي الأزياء، مثل غوتشي وبرادا وشانيل، الذين صمموا أزياء خاصة لها..

لماذا تحولت دمية لابوبو إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية؟
دمية بلايث

“فانكو بوب”

من أواخر التسعينيات وحتى اليوم، أصبحت دمى “فانكو بوب” المصنوعة من الفينيل رمزا من رموز ثقافة البوب، تتميز برؤوس ضخمة وأجسام صغيرة، تمثل شخصيات مشهورة من الأفلام، والألعاب، والرسوم المتحركة.

أسس مايك بيكر شركة Funko عام 1998، وبدأ بإنتاج دمى برأس متمايل قبل أن تطلق عام 2010 خط إنتاج فانكو بوب الذي حظي بشعبية عالمية واسعة، لتصبح هذه الدمى المقتنيات المفضلة لدى محبي النوستالجيا وجامعي التحف في أنحاء العالم.
 
ليست الدمى اليوم مجرد أدوات للترفيه، بل باتت تعبيرا ثقافيا، وفنيا، ونفسيا، إذ توظف في العلاج النفسي، تعكس قيم المجتمع وتغيراته، وتثير جدلا حول مفاهيم الهوية والجمال.

من دمى “لابوبو” الغامضة إلى “ريبورن” التي تحاكي الحياة، ومن باربي التي تمثل تمكين المرأة، إلى بلايث وفانكو بوب التي تجسد الفن والنوستالجيا، تثبت هذه الدمى أن علاقتنا بها أعمق وأشد تعقيدا مما تبدو عليه.
ورغم تنوع أشكال الدمى وأحجامها، وطبقات الرسائل التي تحملها، تتشارك جميعها في نقطة واحدة: إنها مرآة تعكس هواجس الإنسان، وطموحاته، وأحيانا مخاوفه.

ففي عالم يزداد فيه تعقيد العلاقات الإنسانية، والانعزال الاجتماعي، وتبدل القيم، تبدو الدمى كملاذ، سواء كانت تعبيرا عن الحنين للماضي، أو وسيلة لإعادة خلق واقع بديل يتحكم فيه الشخص عبر هذه الألعاب التي تحمل رموزا عاطفية ونفسية عميقة.

لماذا تحولت دمية لابوبو إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية؟
دمية فانكو بوب

التأثير النفسي والاجتماعي للدمى

اختصاصيو علم النفس يؤكدون أن ارتباط البعض بالدمى يتجاوز اللعب البسيط إلى تعبير عن حاجات إنسانية عميقة، مثل الرغبة في الحنان، والاحتواء، والشعور بالأمان، خصوصا في المجتمعات التي تشهد تغيرات سريعة أو ضغوطا نفسية كبيرة.

وتثير الدمى الواقعية، مثل “ريبورن”، انقساما في الرأي بين مؤيد يرى فيها دعما عاطفيا وتخفيفا للوحدة، وبين منتقد يعتبرها انعكاسا لمشكلات نفسية قد تستوجب رعاية ودعما متخصصا.

على الصعيد الاقتصادي، تحولت بعض الدمى إلى سلع فاخرة وجزء من صناعة ضخمة تمتد إلى مجالات الموضة، والفن، وحتى السينما، فتصميم الدمى يصبح فنا بحد ذاته، مع اهتمام بالتفاصيل الدقيقة والتجارب الإبداعية التي تستهدف جمهورا عالميا.

ويستثمر الفنانون، والحرفيون، والمصممون يستثمرون في تطوير هذه الدمى لتصبح قطعا فنية مرموقة، مع أسواق خاصة للتبادل والبيع تجمع الهواة والمقتنين حول العالم.
 
ومع التطور التقني السريع، بدأ دمج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في صناعة الدمى، لتصبح أكثر تفاعلية وقربا من الواقع، ما قد يفتح آفاقا جديدة لتجارب المستخدمين، لكنه يطرح أيضا تساؤلات أخلاقية واجتماعية حول العلاقة بين الإنسان والآلة.




الرابط المختصر: https://msheireb.co/6b3