بقلم مصطفى البقالي
لا أحب البطء حين يتعلّق الأمر بإنجاز المهام، ومع ذلك أميل إلى ما ينضج على مهل. في الطعام أجد لذّتي فيما يُطهى على نار هادئة، وفي الفكر أطمئن أكثر لما يتكوّن ببطء فوق قِدر التراكم.
في المقابل، لا أستريح للمواقف المستعجلة. لا أثق بردود نماذج الذكاء الاصطناعي التي تلهث وراء السرعة بدل الدقة، ولا أخفي ارتيابي من الطائرات التي تختصر المحيطات حتى تكاد تمحو الإحساس بالمسافة، وإن لم تستطع أن تزيل وعثاء السفر من الجسد.
كل هذا يربكني، ويجعلني متململاً مثل مسافر يتفقد جيبه في كل لحظة ليتأكد من وجود جواز سفره، أو يحدّق في شاشة الرحلات خشية أن تفوته طائرته فيبقى عالقاً في مطار غريب.
وربما لهذا السبب تدهشني الكائنات التي لا تعبأ بالسرعة، مثل السلاحف والحلازين السائرة في زمنها الخاص. تمضي ببطء هادئ. والغريب أنها تصل دائماً، وتدرك ربما، أن الوصول ليس حكراً على من يركض (مثلنا).
هذه الفكرة تذكرتُها مباشرة وأنا أطالع قبل أشهر مراجعة في صحيفة نيويورك تايمز لكتاب “صيف النار والدم” للمؤرخة الأسترالية ليندال روبر، الذي يعود إلى ثورة الفلاحين الألمانية في القرن السادس عشر.
يومها غصّت الحقول بالغضب، وارتفعت المناجل في وجه “الأسياد”، واحترقت القرى. وفي قلب ذلك المشهد الفوضوي، يطلّ كائن غير متوقَّع: الحلزون.

كانت الشرارة غريبة في بساطة اشتعالها، وسخافتها الظاهرة. في صيف 1524، ببلدة ألمانية صغيرة اسمها شتوهلينغن، طلبت “كونتيسة لوبفن” من فلاحيها أن يجمعوا أصداف القواقع الفارغة، لتستعملها خادمات القصر كبكرات يلففن عليها الخيوط.
لكن الطلب جاء في ذروة موسم الحصاد، فوق كاهل منهك بالضرائب والسُّخرة. بدا للفلاحين إهانة جديدة، ونقطة أخيرة تفيض الكأس.
في البداية رفضوا الأمر، وتجمعوا أمام قلعتها بالمئات ثم الآلاف، حتى صاغوا مطالبهم. وقادوا في الأخير تمردا ما لبث أن اجتاح جنوب غرب ألمانيا فيما صار يُعرف بحرب الفلاحين.
رغم ضآلة حجمه، صار الحلزون شريكاً في حركة التاريخ، رمزاً لثقل الذلّ اليومي، ودليلاً على أن الكائنات الأكثر هامشية قادرة على إشعال شرارة تمرّد. مخلوق صغير تكاد تدوسه دون أن تنتبه، يترك أثره في الذاكرة.
غير أنه لا يبقى أسير المخطوطات أو كتب التاريخ. يكفي أن أعود إلى مدينتي وزان شمال المغرب، حتى ألقاه في هيئة أخرى: بخار يتصاعد من قِدر كبير، محمّلاً برائحة الزعتر، يسبقك إليها أنفك قبل أن تصل قدماك إلى البائع. يحضر الحلزون هنا، أبسط وأقرب إلى الحواس، بعيداً عن القلاع والنيران.
في ربيع 2006، كنت مع صديق عربي يزور المدينة لأول مرة. اقتربنا من بائع يدفع عربته التي تحمل إناء معدنيا تتصاعد منه روائح أعشاب أعرفها، وأخرى لا تسعفني أسماؤها. عندها توقّف صاحبي فجأة، ثم سألني:
– ما هذا؟
– “الببُّوش”، أو “غْلال”.. حساء الحلزون.
لم أكن أتوقع أن الجواب سيصدمه. ظل محدقاً في القدر للحظات، كأنه يرى فيه مكيدة حيكت ضده. التفت إليّ متردداً:
– هل تأكل الحشرات يا مصطفى؟
ضحكت وأخذت رشفة من المرق الساخن: يقال إن “الجمبري” أيضا مجرد صرصور بحر محظوظ يتعاون مع شركة علاقات عامة جيدة. لكن قطعا، الحلزون ليس حشرة.
لم يكن صديقي يدرك أن المخطوطات القوطية القديمة، كانت تسخر من بعض الفرسان برسمهم وهم يقاتلون حلزونا مدرعا في معركة عبثية ضد كائن يزحف ببطء.
لم يكن يدرك أن هذا الحلزون اللذيذ، ألهم أرخميدس في صناعة جهاز لولبي لرفع المياه. ويمكنك أن تجده مألوفا بسهولة في تأملات وأعمال سلفادور دالي، بل إنه كان يقدم كوليمة فاخرة في موائد روما القديمة.
ومن الواضح أن صديقي أيضا لم يصادف، مثل أبناء جيلي نصا لطيفا في كتاب القراءة للسنة الأولى الابتدائية يقول “دَبَّ الحلزون فوق حجارة،، من أين أتى يحمل داره”. هذا الكائن المحظوظ كما عرفنا حينها، لا إيجار يقلقه، ولا بنك يطالبه بالقسط الشهري، ولا يعبأ بأزمة الغلاء في سوق العقارات.
أما نحن، فنعيش زمناً مسكونا بدفع الأقساط، ومهووساً بالسرعة، والأخبار العاجلة. نركض دون توقف. لكن الحلزون ما زال يسير ببطء، حاملاً بيته على ظهره. أليس محظوظا فعلا؟
اعترف أني من عشاقه. آكله في مرق الزعتر والأعشاب البرية اللذيذة. جرّب أن تقف أمام عربة “الببوش” في “السويقة” بالرباط، أو على كورنيش مرتيل، أو في أزقة وزان حين يتصاعد البخار من القدور. عندها ستدرك أن البطء أحياناً ألذ من أي سرعة.

